بعد استشهاد السلايطة .. لا تهاون مع "الإرهاب" ولا تأجيل لمعركة اجتثاث الفكر التكفيري
التاج الإخباري -
بقلم: ربى الدغامين.لم يكن استشهاد العريف جواد السلايطة أثناء أدائه واجبه الرسمي مجرد جريمة هزّت الشارع الأردني، بل شكّل لحظة فارقة أعادت إلى الواجهة أسئلة لا تحتمل التأجيل بشأن مواجهة الإرهاب والفكر التكفيري، وحدود التساهل مع كل من يتبنى أفكاراً تستبيح الدماء وتستهدف أمن الوطن. فخلف مشاعر الحزن والغضب التي عمّت الأردنيين، برزت مطالبات واضحة بتغليظ العقوبات، وإنزال أشد درجات المحاسبة بحق مرتكبي الجرائم الإرهابية، بالتوازي مع الدعوة إلى مواجهة فكرية ومجتمعية لا تكتفي بالتعامل مع نتائج التطرف، بل تسعى إلى اجتثاث جذوره.
إن الغضب الذي عبّر عنه الأردنيون عقب الجريمة مفهوم، والمطالبات التي ارتفعت بتغليظ العقوبات، وصولاً إلى المطالبة بأحكام الإعدام بحق مرتكبي الجرائم الإرهابية ممن تنطبق عليهم أحكام القانون، تعكس حجم الصدمة ورفض الشارع لأن تمر مثل هذه الجرائم دون عقوبات رادعة تتناسب مع خطورتها.
فحين يُستهدف رجل أمن أثناء تأدية واجبه، لا يكون الاعتداء موجهاً إلى شخصه وحده، بل إلى كل مواطن ينتظر أن يجد من يحميه، وإلى منظومة أمنية تقف في خطوط المواجهة الأولى دفاعاً عن الوطن. ومن هنا، فإن المطالبة بأقصى درجات المحاسبة ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل تعبير عن حاجة مجتمعية إلى الشعور بأن الدماء التي تُبذل في سبيل حماية الأردن لن تقابل بتساهل مع مرتكبي الإرهاب.
وفي هذا السياق، جاء موقف رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز واضحاً، حين طالب بإنزال أشد العقوبات بمرتكب الجريمة، مؤكداً أن الإرهابي وأمثاله يجب ألا يفلتوا من العقاب الشديد، وداعياً الأردنيين إلى إبلاغ الجهات الأمنية عن كل من يشتبه بتبنيه أفكاراً تكفيرية أو متطرفة، أو أفكار التنظيمات الإرهابية.
وهنا تحديداً تبرز القضية التي تستحق أن نتوقف عندها طويلاً؛ فهل تكفي محاسبة منفذ الجريمة بعد وقوعها، إذا لم نعمل بالقدر ذاته على مواجهة الفكر الذي يهيئ الطريق أمامها؟ وهل يمكن أن نطمئن إلى مستقبل أكثر أمناً فيما لا تزال الأفكار التي تستبيح الدماء وتمنح أصحابها أوهام الحق في قتل الآخرين بحاجة إلى مواجهة فكرية ومجتمعية أكثر عمقاً؟
برأيي، إن المعركة الحقيقية لا تبدأ عند وقوع الجريمة، بل قبل ذلك بكثير؛ تبدأ من تفكيك الخطاب التكفيري، وكشف تناقضاته، ومواجهة محاولات توظيف الدين لتبرير القتل والعنف، وعدم ترك المساحات الفكرية والإعلامية مفتوحة أمام من يروّجون للكراهية والتطرف. فالإرهاب لا يولد من فراغ، ومواجهة نتائجه دون التصدي لأسبابه تترك الباب مفتوحاً أمام تكرار المأساة.
ولعل ما أكده قاضي القضاة كمال الصمادي بشأن مسؤولية المجتمع والمؤسسات في مواجهة الفكر المتطرف والسلوك الإجرامي، يضعنا أمام حقيقة لا يجوز تجاهلها؛ وهي أن حماية الوطن ليست مهمة الأجهزة الأمنية وحدها، وإن كانت تتحمل العبء الأكبر في التصدي للتهديدات، بل هي مسؤولية تتطلب وعياً من الأسرة، ودوراً للمؤسسات التعليمية والدينية، وخطاباً إعلامياً مسؤولاً لا يكتفي بإدانة التطرف بعد وقوع الكارثة.
ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة التعامل بجدية مع ملف الخلايا النائمة، وعدم افتراض أن غياب العمليات الإرهابية يعني بالضرورة غياب الأفكار والشبكات التي قد تشكل تهديداً للأمن الوطني. فاليقظة لا تعني إثارة الخوف أو توجيه الاتهامات جزافاً، وإنما تعني تعزيز ثقافة الإبلاغ المسؤول عن أي مؤشرات جدية للجهات المختصة، وترك مهمة التحقق والتعامل معها للمؤسسات المعنية، بعيداً عن الشائعات والتشكيك والاشتباه العشوائي.
كما أن المطالبة بتغليظ العقوبات يجب ألا تبقى مجرد موجة غضب تتراجع مع مرور الأيام، بل ينبغي أن تتحول إلى نقاش جاد حول فاعلية التشريعات، ومدى كفاية العقوبات في التعامل مع الجرائم الإرهابية، وضمان تطبيق القانون بحزم وعدالة، بحيث لا يجد مرتكبو هذه الجرائم ثغرة للإفلات من المساءلة.
إن الأردن الذي واجه الإرهاب وتجاوز محطات صعبة يدرك أن أمنه واستقراره ليسا أمراً يمكن التساهل فيه، وأن حماية هذا الوطن تتطلب يقظة دائمة، لا سيما في مواجهة الأفكار التي تحاول اختطاف عقول الشباب وتقديم العنف باعتباره طريقاً أو عقيدة.
أما الوفاء الحقيقي للعريف جواد السلايطة، فلا يكون بالحزن عليه وحده، ولا بالغضب الذي يتبدد مع الوقت، وإنما بأن تتحول تضحيته إلى دافع لمواجهة أكثر حزماً مع الإرهاب، وبأن نعمل جميعاً على ألا يجد الفكر التكفيري بيئة يتسلل منها إلى مجتمعنا.
فدماء السلايطة ليست خبراً يُطوى مع انقضاء اليوم، وتضحيته يجب أن تبقى تذكيراً بأن حماية الأردن لا تكون بمواجهة من يحمل السلاح فحسب، بل أيضاً بمواجهة الفكر الذي يدفعه إلى استخدامه.
الرجاء الانتظار ...