دور المعلم في الوقاية من التطرف .. كيف يسهم في تعزيز وعي الطلبة؟
التاج الإخباري -
أكد الخبير والاستشاري التربوي محمد أبو عمارة، أن التطرف الفكري ليس ظاهرة أصيلة في المجتمع الأردني، وإنما حالات محدودة، لافتا إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على دولة بعينها، بل تواجهها مجتمعات مختلفة حول العالم، بأشكال وصور متعددة.وأشار إلى أن التطرف الفكري يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع، وصولا إلى التأثيرات المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت، ما يجعل الوقاية منه مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار التربوية والتوعوية.
وأوضح أبو عمارة أن الأسرة تمثل البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل، ولا سيما خلال السنوات الخمس الأولى من عمره، إذ يتأثر بسلوك والديه وطريقة تعاملهما مع الآخرين، ويكتسب منهما أنماط التواصل والتعبير عن الرأي وحل الخلافات.
وأضاف أن الطفل الذي ينشأ في بيئة أسرية تتسم بالتعصب للرأي والتشدد وغياب الحوار، قد يكتسب هذه السلوكيات ويتبناها في تعامله مع الآخرين، الأمر الذي قد ينعكس على سلوكه لاحقا داخل المدرسة، من خلال التعامل الحاد مع زملائه أو ممارسة التنمر.
وبين أن المدرسة تؤدي دورا مهما في التعامل مع هذه السلوكيات والحد من آثارها، من خلال المناهج الدراسية وأساليب التدريس وطبيعة العلاقة بين المعلم والطلبة، إلى جانب دور الإدارة المدرسية والرفاق والبيئة التعليمية عموما.
وشدد على أهمية ترسيخ ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر واحترام الاختلاف بين الطلبة، مبينا أن تقبل الآخر يمثل إحدى الركائز الأساسية في الوقاية من التطرف والتعصب، إذ يساعد الطلبة على إدراك أن المجتمع يضم فئات متعددة تختلف في آرائها واهتماماتها ووجهات نظرها.
وأكد أن المعلم يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية بناء هذه الثقافة، بحكم دوره في إدارة الغرفة الصفية وملاحظة سلوكيات الطلبة وتنظيم الأنشطة التعليمية، لافتا إلى أن اعتماد أساليب تدريس تقوم على الحوار وتبادل الأدوار والاستماع إلى آراء الطلبة، يتيح لهم التعبير عن أنفسهم ومناقشة أفكارهم في بيئة تحترم الاختلاف.
وأضاف أن المعلم ينبغي أن يكون قدوة في تقبل الرأي الآخر، والابتعاد عن التعصب، والاحتكام إلى الحوار والحجة في مناقشة الأفكار، مع إتاحة المجال أمام الطلبة لمراجعة آرائهم وتغييرها عندما يتبين لهم أنها غير صحيحة.
أبعد من الحصص
وأوضح أبو عمارة أن هذه الممارسات تسهم في بناء شخصية طلابية منفتحة وقادرة على الحوار، وتقبل الاختلاف والتعامل بمرونة مع الأفكار، بما يعزز قدرتها على التفكير والمناقشة والتفاعل الإيجابي مع الآخرين.
ولفت إلى أن دور المعلم لا يقتصر على الحصص الصفية، بل يمتد إلى الأنشطة الرياضية والمسابقات المدرسية، التي تشكل فرصا تربوية لتعليم الطلبة تقبل الفوز والخسارة، والتعامل مع النتائج بروح رياضية، بعيدا عن التعصب أو تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاق.
وبين أن بعض المواقف المرتبطة بالمنافسات الرياضية أو النتائج الدراسية قد تكشف عن سلوكيات تتطلب التوجيه، مثل الغضب عند الخسارة أو الحقد على الزملاء الذين يحققون علامات مرتفعة، مؤكدا أهمية تدريب الطلبة على تقبل نجاح الآخرين، والاستفادة من الإخفاق في تحديد نقاط الضعف والعمل على تطوير الذات بدلا من إلقاء اللوم على الآخرين.
ولفت أبو عمارة إلى أهمية تكامل دور الأسرة والمدرسة في متابعة استخدام الطلبة لمواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت، في ظل ما قد يتعرضون له من محتوى متطرف أو محاولات للتأثير في أفكارهم.
وأكد أن التوعية والإرشاد والمتابعة تمثل عناصر أساسية في هذا الجانب، إلى جانب الانتباه إلى التغيرات التي قد تطرأ على سلوك الطالب، وملاحظة المؤشرات التي تستدعي الاستفسار والتدخل التربوي المناسب.
وضرب مثالا على ذلك بملاحظة تكرار نوم الطالب داخل الحصة نتيجة السهر، مبينا أن مثل هذه المؤشرات تستدعي التحقق من أسبابها، ومعرفة طبيعة الأنشطة التي يمارسها الطالب خلال ساعات الليل والمحتوى الذي يتابعه، دون الاكتفاء بملاحظة السلوك بمعزل عن أسبابه المحتملة.
وأضاف أن تحويل الطلبة الذين تظهر لديهم مؤشرات تستدعي المتابعة إلى أقسام الإرشاد المدرسي، وتقديم التوعية المناسبة لهم، يمكن أن يسهم في التعامل المبكر مع المشكلات السلوكية والفكرية، والحد من احتمالات تفاقمها.
وشدد أبو عمارة على أهمية توفير بيئة مدرسية آمنة ومتعاونة، تقوم على الاحترام المتبادل وتنبذ التنمر والكراهية، موضحا أن للمعلم دورا محوريا في تعزيز العلاقات الإيجابية بين الطلبة، واحتواء الخلافات ومعالجتها تربويا، بما يحد من فرص نشوء الانقسامات والعداوات بينهم.
وأكد أن دور المعلم في الوقاية من التطرف الفكري يتطلب تطوير أساليب التدريس، واحتواء الطلبة، وتعزيز الحوار وتقبل الآخر، وتنمية قدرتهم على مناقشة الأفكار وتقييمها بالحجة والمنطق، إلى جانب توعيتهم بمخاطر المحتوى الرقمي الضار، وتعزيز قدرتهم على التعامل الواعي مع ما يتعرضون له عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الرجاء الانتظار ...