كنيسة حمود .. مواجهة جديدة مع الإرهاب محسومة النهاية
التاج الإخباري -
بعد مرور أكثر من ثماني أعوام على وقوع "عملية السلط الإرهابية"، والتي نفذتها خلية مرتبطة فكريا بتنظيم "داعش" الإرهابي صيف العام 2018، يدخل الأردن من جديد في مواجهة مع الإرهاب، بعد إطلاق 4 إرهابيين النار من أسلحة أوتوماتيكية وفردية على مواطنين في كنيسة بقرية حمود في محافظة الكرك، أثناء تشييعهم لسيدة متوفاة، لتسفر الجريمة الوحشية عن استشهاد 9 أشخاص وإصابة نحو 40 آخرين، بعضهم خرج من المستشفيات بعد علاجهم، وآخرون ما يزالون تحت العلاج.واعتبر خبراء مختصون في مكافحة الإرهاب، أن الهجوم الوحشي على الكنيسة، يصنف على أنه نمط إرهابي جديد لم يألفه الأردنيون، من حيث الجهة المستهدفة والموقع وطريقة الاستهداف، ففيه تعرضت كنيسة لعمل إرهابي وهو ما لم يحدث سابقا من الاعتداء على مواقع العبادة في المملكة، كما جرى توقيت الاستهداف لحظة تشييع سيدة متوفاة وسط قرية وادعة.
الخبراء أكدوا أن هذه العملية ليست بعيدة عما يجري في المنطقة ودول الجوار من اضطراب وعدم استقرار أمني وسياسي. مشددين على أن الأردن حافظ على استقراره وأمنه منذ نشأته المعاصرة، برغم ما يحيطه من جوار يعمه الاضطراب، وبقيت مواقف ملوكه السياسية والدبلوماسية والداعمة للقضايا العربية وبالذات قضية فلسطين ديدنهم.
ولفتوا إلى أن ما يمكن أن ترمي إليه جريمة الاعتداء على كنيسة حمود التي وقعت أحداثها الدراماتيكية أول من أمس، يهدف إلى زعزعة أمن البلاد وبث الفرقة بين أبنائه. بيد أن ما بدر من أفراد المجتمع الأردني في الرد على هذه العملية الإرهابية هو إدانتها بقوة، أكدت على تماسك الأردنيين وتكاتفهم، ورفضهم لأي محاولة تمس وحدتهم ووحدة بلدهم وترابهم، أو تمس أي فئة من فئاته مجتمعهم المتجانس والمستقر.
وأشاروا إلى أن الأردن ومنذ تسعينيات القرن الماضي، يواجه على نحو شبه دائم حملة الفكر التكفيري، أكانوا أفرادا أو خلايا ينتمون لتنظيمات إرهابية خارجية، أو ذئابا منفردة، ترتبط فكريا بأفكار تلك التنظيمات كـ"القاعدة" و"داعش".
ويعد الأردن من أوائل دول العالم الذي بدأ بملاحقة التنظيمات الإرهابية وتقديم أفرادها للعدالة، برغم أن الجماعات الإرهابية أنشأت معاقل لها في دول عربية مجاورة مضطربة، إلا أن الأردن بقي نظيفا منها، ولم يستطع أي تنظيم إنشاء أي معقل له فيه.
وفي هذا النطاق، فإن الأجهزة الأمنية الأردنية التي تفردت بقدرات استثنائية في الكشف عن الخلايا الإرهابية، وصيدها، لعبت دورا بارزا بحماية الأردن والأردنيين عبر إحباط مئات العمليات الإرهابية التي كانت تخطط لها عناصر إرهابية، يرسلون من خارج الأردن، أو عن طريق مؤيدي تنظيمات إرهابية تحمل الفكر التكفيري، وغالبا ما كانت الأجهزة الأمنية تفكك تلك الخلايا والمجموعات قبل تنفيذ مخططاتها الإجرامية.
وعادة ما تحاول مخططات الإرهابيين تحديد نقاط معينة لتنفذ فيها عملياتها الوحشية، كضرب دور العبادة أو منشآت عسكرية أو أمنية، أو اغتيال شخصيات أمنية، ناهيك عن محاولات مهاجمة منشآت حيوية، وأحيانا إذا عجز أفرادها عن تنفيذ عملياتهم في النقاط المستهدفة، يتجهون لتنفيذ جرائمهم في منشآت مدنية، كالمواقع السياحية، وهذه من أسهل الأهداف بالنسبة للإرهابيين، كما حدث في تفجيرات عمان في العام 2005.
ويرى الخبراء، أن الأردن مر بثلاثة مراحل خلال حربه على الإرهاب وحواضنه، بدأت أولاها في مطلع تسعينات القرن الماضي، عندما تشكلت مجموعة ممن وصفوا بمجاهدي الأفغان العائدين من أفغانستان، فكونوا خلايا إرهابية، لتنفيذ جرائهم على الأرض الأردنية.
وبينوا أنه بعد اجتثاث منتسبي هذه الخلايا، وإيقاع عقوبات شديدة عليهم كالحبس لسنوات طويلة، جاءت المرحلة الثانية بعد سقوط النظام العراقي في العام 2003 والغزو الأميركي للعراق، مع ما سمي آنذاك بـ"تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"، وتمكنت الأجهزة الأمنية الأردنية من تفكيك عشرات العمليات الإرهابية المرتبط منفذوها بهذا التنظيم، قبل وقوعها في الأردن.
ومن أبزر العمليات الإرهابية التي نفذها أفراد من تنظيم القاعدة بلاد الرافدين الإرهابي: تفجيرات فنادق عمان التي أدت لاستشهاد 57 شخصا وإصابة 100 شخص آخرين، ومقتل منفذيها، إضافة لتنفيذ تفجيرات إرهابية في مدينة العقبة.
أما المرحلة الثالثة، فجاءت بعد تشكل تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق والشام في العام 2014، إذ استغل أفراده ما تعيشه العراق وسورية من اضطرابات وعدم استقرار سياسي فيهما، ومنذ انطلق "داعش" بجرائمه، حاول تنفيذ عشرات العمليات الإرهابية في الأردن لكن الأجهزة الأمنية الأردنية أحبطتها، غير أن ذئابا منفردة تتبع له فكريا، نفذت عمليات إرهابية محدودة أبرزها وقعت في اربد والكرك والسلط.
ارتدادات الجوار
الخبير في الحركات الإسلامية حسن أبو هنية، يعرف الإرهاب بأنه: زعزعة للاستقرار وبث للرعب، سعيا لتحقيق أهدافه، مشيرا إلى أن الأردن دائما يتأثر بجواره وما يمس هذا الجوار من عدم استقرار، لذا فإن الارتدادات لما يجري في ذلك الجوار، تقترب من الأردن، وقد تعامل الأردنيون في هذا النطاق، مع ثلاثة موجات في قضايا الإرهاب، أشرسها كانت موجة تنظيم "داعش" الإرهابي.
وقال أبو هنية، إن احد أهم أسباب وجود عمليات إرهابية وظهور خلايا إرهابية، هو أن الأردن مستقر، برغم أضطراب جواره، وهذا الاستقرار مرتبط بقوة النظام السياسي وشرعيته، وخبرة الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب، ووحدة المجتمع الأردني إلى جانب ما تتمتع به الجبهة الداخلية من تماسك فريد.
ولفت إلى أن الدول المحيطة بالأردن تعيش عدم استقرار وتوترات لم تنته. كما أن الحرب على قطاع غزة تسببت بإنتاج خلايا كانت تعتزم تنفيذ عمل إرهابي في المملكة، إلى جانب ما انتجته صراعات دول محيطة، وما اختلقته من أزمات مثل الأزمة الإيرانية الأميركية، وما تبعها من نزاع سعودي مع الحوثيين، والأزمة السورية في الجنوب السوري المحاذي للحدود الأردنية الشمالية، وتهديدات الكيان المحتل بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية، واقتحامات المسجد الأقصى، وتفاقم مهاجمة الفلسطينيين والاعتداء عليهم وقتلهم المستمر أكان في الضفة أم في غزة، ومحاولات الكيان ضم الضفة.
ونوه أبو هنية، بأن الأردن ما يزال يعيش في محيط ملتهب، ولكن تماسك جبهته الداخلية يمنح الأردنيين الاستقرار والهدوء.
وأشار إلى أن الجريمة الإرهابية التي وقعت في محافظة الكرك، تعد المرة الأولى التي ينفذ فيها عملية إرهابية ضد دار للعبادة في الأردن، مشيرا إلى أن استهداف دور العبادة، وقع في دول قريبة من الأردن، لكن لم يسبق وان تعرضت دور عبادة أردنية لأي عمل إرهابي، ما يثير علامات استفهام حول تنفيذ هذه الجريمة، من حيث الهدف والأسباب، بينما تقرأ في الواقع حالة من التماسك المجتمعي الكبير برفضها وإدانتها، والقبض على مرتكبيها.
نشر الرعب والفوضى
اللواء الركن المتقاعد عزام الرواحنة، يرى أن التنظيمات الإرهابية غالبا ما تلجأ لاستهداف مواقع وسط محيط مجتمعي متفق على أمانها، كما حدث لكنيسة حمود، كل ذلك بهدف نشر الرعب والفوضى وبث الفرقة وتقسيم المجتمع. كذلك فإن مثل هذه العملية تستخدم كوسيلة لاستقطاب ذوي الميول المتطرفة.
وأشار الرواحنة، إلى أن الأردن يحارب الإرهاب منذ أن جرت عملية اغتيال الملك عبدالله المؤسس. ويعد من أوائل الدول التي حذرت من تنامي هذه الظاهرة بالمنطقة والعالم، مشيرا إلى أن الأردن رأس حربة في أعمال مكافحة الإرهاب. كما أن أجهزته الأمنية فككت معظم التنظيمات الإرهابية التي حاولت تنفيذ مخططات إجرامية فوق الأرض الأردنية، بل لاحقت تلك التنظيمات في معاقلها خارج حدوده وعاقبتها.
واعتبر أن استهداف الكنيسة كدار للعبادة، نسق جديد من عمليات الإرهاب التي يتعرض لها الأردن، مشيرا إلى أن الجوار الملتهب، كذلك مواقف جلالة الملك الداعمة لفلسطين، وموقفه السياسي القوي والصامد والمتصدي للمخططات الصهيونية، الصلبة، يحاول من يرفضونها مجابهتها من داخل أوكار الإرهابيين.
وأشار إلى أن مجمل هذه الجوانب، حملت أصحاب الفكر المتطرف لإعادة بناء أنفسهم وتنفيذ مثل عملياتهم الإرهابية، لزعزعة الشارع الأردني وبث الفرقة فيه.
وأضاف أن الأردن لاعب رئيس بمحاربة الإرهاب، مشيرا لدوره الكبير في هذا الجانب وتحديدا مكافحة الفكر التكفيري، ما يجعله هدفا للإرهابيين، ناهيك عن مواقف الأردن السياسية الداعمة لاستقرار المنطقة، وتحديدا القضية الفلسطينية.
وبين الرواحنة أن العملية الإرهابية الموجهة لكنيسة حمود، جعلت الأردنيين أكثر تماسكا، وأن مخططيها ومنفذيها لم يحققوا أهدافهم بإثارة النعرات الطائفية وتقسيم المجتمع، فالأردنيون دائما ما يقدمون نموذجا رائعا في التماسك الاجتماعي في هذه المواقف.
تقويض الاقتصاد والاستثمار
العميد المتقاعد د. سعود الشرفات، قال إن الإرهابيين يستهدفون تحقيق رسالة محددة لضرب النسيج الاجتماعي أو تقويض الاقتصاد والاستثمار، مشيرا إلى أن ما حدث في كنيسة حمود، محاولة لضرب اللحمة الوطنية. فاستهداف مراكز العبادة مقصود منه زعزعة الاستقرار الداخلي، ومحاولة صنع شرخ طائفي، لكن هذا الهدف لن ولم يتحقق بسبب سرعة الاستجابة الرسمية والشعبية التي تلاحمت في مواجهة الجريمة، وتوحيد الموقف النابذ للإرهاب.
وأضاف الشرفات، إن الأردن بلد مستقر سياسيا وامنيا، وهو متماسك اجتماعيا، ويتضاعف تلاحمه عند مهاجمة أي شبر من ارضه وأي فرد من شعبه، موضحا بأن ارتدادات ما يجري داخل الإقليم من اضطرابات، تنعكس أحيانا عليه في شكل عمليات إرهابية.
وأشار إلى أن مرتكبي جريمة الكنيسة، واجهوا ارتفاع نسبة الوعي المضادة للفكر المتطرف. ناهيك عن أن هناك أجهزة أمنية ذات باع طويل بمكافحة الإرهاب، ولديها خبرات طويلة بالتعامل مع مثلهم وسواهم، موضحا بأن الأجهزة الأمنية تعمل منذ عشرات السنين على مكافحة الإرهاب، وتعاملت مع عدد كبير من العمليات الإرهابية. الغد
الرجاء الانتظار ...