الشادي يكتب: "رصاص الكرك" يواجه بحصن الوحدة

التاج الإخباري -

بقلم: الشاعر العربي الدكتور صالح الشادي


في الكرك، حيث للتاريخ صوت وللأرض ذاكرة، لم يكن استهداف كنيسة آمنة في قرية حمود أثناء مراسم تشييع جنازة، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، إلا جرحاً غائراً في وجدان كل أردني، ومحاولة يائسة لتعكير صفاء علاقة عريقة بين مسيحيين ومسلمين صنعوا معاً معنى الوطن. سبعة قتلى وسبعة وعشرون مصاباً سقطوا في لحظة حزن كانوا فيها مجتمعين حول فقيدهم، في مشهد يندرج ضمن محاولات ممنهجة لضرب النسيج الاجتماعي في دول المنطقة. لكن ما أراده فاعلون لا يريدون الخير لهذا البلد اصطدم بحقيقة أبسط وأقوى: أن الأردن، بقيادته وشعبه، ليس سهلاً على أيدي الفتنة، وأن الدم الطاهر الذي سال في الكرك لم يتحول إلى وقود للشقاق، بل إلى ضوء يكشف حجم التلاحم الذي يحميه الله ثم وعي أبنائه.

وحين يضيق القلب بمثل هذه اللحظة، يكون الموقف السعودي، وفي قلبه الرياض، أشبه بيد حانية تمتد في العتمة قبل أن تنطق الكلمات. لم يكن تعاطفاً بارداً ولا تضامناً عابراً، بل كان صوت الأخ الذي يشعر بجرح أخيه قبل أن يراه. فقد أعربت المملكة العربية السعودية عن إدانتها واستنكارها بأشد العبارات للعمل الإرهابي الجبان الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك، مؤكدة تضامنها مع الأشقاء في الأردن حكومةً وشعباً، ورفضها لكافة الأعمال الإرهابية التي تحاول النيل من أمن واستقرار الأردن وشعبه الشقيق، مقدمةً خالص تعازيها ومواساتها لذوي الضحايا ولحكومة وشعب الأردن في هذا المصاب الأليم. الرياض، التي تعرف أن أمن الأردن امتداد لأمنها، لم تكتفِ بالكلام، بل غلّفت الجرح بموقف صادق يقول: دمكم دمنا، وفرحكم فرحنا، وألمكم ألمنا، وما يمسّكم يمسّنا.

ولم يكن الموقف الخليجي بعيداً عن هذا النبض الصادق. فقد أعرب الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عن إدانته واستنكاره الشديدين للهجوم الإرهابي، مؤكداً أن هذه الأعمال الإجرامية تمثل اعتداءً مرفوضاً يتنافى مع كافة القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية، ومشدداً على وقوف المجلس وتضامنه الكامل مع المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، ودعمه لكافة ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها وسلامة مواطنيها. كما أعرب عن خالص التعازي وصادق المواساة لقيادة المملكة الأردنية الهاشمية وحكومتها وشعبها، ولأسر الضحايا، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته وأن يمن على المصابين بالشفاء العاجل، وأن يحفظ الأردن وشعبه من كل سوء ومكروه. هذا الموقف يعكس عمق الروابط الأخوية، ويؤكد أن أمن البلدين كل لا يتجزأ، وأن السعودية تقف دائماً إلى جانب الأردن في مواجهة كل ما يمس أمنه واستقراره.

إن استهداف كنيسة أثناء جنازة ليس حدثاً عابراً، بل هو رسالة مبيتة تهدف إلى إحداث شرخ في العلاقة التاريخية بين المسلمين والمسيحيين في الأردن. وقد أدركت القيادة الأردنية هذا المخطط فوراً، إذ أكد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أن من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتهم ووحدتهم، مشدداً على أن جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف، وأن دم الأردني غالٍ وسيُضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد. وفي هذا السياق، تبرز حادثة الكرك كحلقة في سلسلة محاولات إقليمية أوسع لضرب الجبهات الداخلية في دول الشرق الأوسط، مدفوعة بأجندات خارجية لا تريد الخير لهذا البلد. لكن ما يميز الأردن هو أن وعيه السياسي العالي يشكل خط الدفاع الأول ضد هذه المخططات، وأن أبناءه أقوى من أي محاولة للعبث بأمنهم.

ولعل أبرز ما يعزز هذه المناعة الوطنية هو الموقف الموحد للفعاليات الشعبية والدينية والسياسية، التي سارعت إلى إدانة الحادث والتأكيد على أن المسيحيين والمسلمين في الأردن يجمعهم تاريخ مشترك ومصير واحد، وأن وحدتهم الوطنية هي الحصن الحصين في مواجهة محاولات بث الفرقة. هذا الإجماع الوطني، الذي تجاوز الخطاب الرسمي ليشمل النقابات والأحزاب والمؤسسات الدينية، هو الدليل الأقوى على أن محاولات شق الصف الداخلي الأردني ستبوء بالفشل، تماماً كما فشلت محاولات سابقة في دول أخرى.

إن حادثة الكرك، رغم قسوتها، كشفت عن حقيقة جوهرية: أن الأردن ليس دولة هشة يمكن أن تنال منها يد الفتنة. فقيادته الهاشمية، التي لطالما كرست جهودها لنشر ثقافة العيش المشترك والمحبة والوئام، تقف في مقدمة الصفوف للدفاع عن وحدة أبنائه. وشعبه، بمسلميه ومسيحييه، يدرك أن الأمن والاستقرار نعمة لا تُقدّر بثمن. وبدعم من أشقائه، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية التي سارعت إلى إعلان تضامنها الصادق ووقوفها التام إلى جانب الأردن، يثبت الأردن يوماً بعد يوم أنه قادر على تجاوز المحن، وأن رصاص الغدر، مهما حاول، لن ينال من عزيمته أو يفرق صفوفه. فدماء شهداء الكرك، بدلاً من أن تكون بوابة للفتنة، ستظل شاهداً على أن هذا الوطن، بقيادته وشعبه وأشقائه، عصي على كل من يحاول العبث بأمنه ووحدته.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى