عباسي تكتب: حادثة كنيسة الكرك .. وجع أردني ورسالة وطنية في وجه الفتنة

التاج الإخباري -

بقلم: مجد عباسي

حين يُطلق الرصاص داخل دار عبادة، وفي لحظة يفترض أن تكون مخصصة للوداع والحزن، فإن الجريمة تتجاوز حدود الاعتداء على أفراد، لتصيب شعور مجتمع كامل بالأمان، وتضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية واضحة: كشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وحماية الوحدة الوطنية من كل محاولة لاستغلال الدماء في إشعال الفتنة.

ما شهدته محافظة الكرك اليوم من حادثة إطلاق نار داخل كنيسة أثناء تشييع جنازة، وما رافقها من ألم وخسارة أرواح وإصابات، ليس حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل وجع أصاب الأردنيين جميعًا، وترك في نفوسهم أسئلة صعبة عن أمن الإنسان وحقه في الحياة والطمأنينة.

أمام هذه الحادثة، لا بد أن تكون المحاسبة واضحة وحاسمة؛ بكشف ملابسات ما جرى، والوصول إلى كل من تثبت مسؤوليته، وتقديمه إلى العدالة لينال جزاءه وفق القانون. فدماء الأبرياء ليست أمرًا يمكن التهاون فيه، وحق الضحايا وذويهم يستوجب الحقيقة والعدالة، بعيدًا عن الشائعات والأحكام المسبقة.

لكن، وسط هذا الألم، هناك حقيقة لا يمكن لأي جريمة أن تغيّرها: الأردن وطن واحد، والمسيحي والمسلم فيه أهل وشركاء في الأرض والتاريخ والمصير. لم تكن وحدتنا يومًا مجرد كلمات تُقال في المناسبات، بل كانت على الدوام جزءًا أصيلًا من هويتنا الوطنية، تظهر في المواقف الصعبة قبل الأيام العادية، وفي وقوف الأردني إلى جانب أخيه الأردني مهما اختلفت معتقداته.

إن الجهات التي تسعى إلى بث الفرقة وإشعال الفتنة، إن ثبت أن ذلك كان هدفًا وراء هذه الجريمة، يجب ألا تجد في المجتمع الأردني بيئة تحقق لها ما تريد. فوعينا الوطني يفرض علينا ألا نسمح للألم بأن يتحول إلى انقسام، ولا للجريمة بأن تفتح أبواب الكراهية بين أبناء البلد الواحد.

اليوم نحزن، نعم، ونطالب بالمحاسبة، ونتمسك بحقنا في معرفة الحقيقة؛ لكننا لا نفقد إيماننا بالأردن ولا بقدرة شعبه على تجاوز المحن. فالأوطان لا تُقاس بما تواجهه من أزمات فقط، بل بما تملكه من وعي وتماسك وقدرة على النهوض من جديد.

ومن هنا، فإن أملنا كبير بأن تكون الأيام القادمة أفضل، وأن نخرج من هذه المحنة أكثر تماسكًا ووعيًا، وأكثر تمسكًا بقيم المواطنة والعدالة والعيش المشترك. نأمل أن تتحول هذه اللحظة المؤلمة إلى محطة نجدد فيها عهدنا بأن أمن الإنسان الأردني وكرامته حقان لا يقبلان التجزئة، وأن حماية وحدتنا مسؤولية نتشارك فيها جميعًا.

ولا تكتمل هذه المسؤولية إلا بوقوف الدولة ومؤسساتها إلى جانب أسر الضحايا والمصابين، ومتابعة حقوقهم، وإعلان نتائج التحقيقات بشفافية، واتخاذ الإجراءات التي تضمن عدم تكرار مثل هذه الجرائم. فالثقة تُعزَّز بالحقيقة، والعدالة تُصان بالمحاسبة، والأمن يترسخ حين يشعر كل مواطن أن حياته وكرامته مصونتان.

رحم الله الضحايا، ومنح ذويهم الصبر والقوة، وكتب الشفاء للمصابين. وستبقى مسؤوليتنا جميعًا أن نصون هذا الوطن، وأن نرفض كل ما يمزق نسيجه، وأن نواجه الكراهية بالوعي، والفتنة بالوحدة، والجريمة بالقانون.

قد تمرّ بالأردن أيام صعبة، لكن أملنا أن تكون الأيام القادمة أيام قوة وتماسك ونهوض؛ أردنًا أكثر أمنًا، وشعبًا أكثر قربًا من بعضه، ووطنًا يتسع للجميع ويحفظ كرامة الجميع. فالمستقبل الذي نريده لا تصنعه الفتنة، بل تصنعه وحدتنا وعدالتنا وإيماننا بأننا، مهما اشتدت المحن، سنبقى معًا.

حفظ الله الأردن وأهله، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى