2.5 مليار دولار لمشروع سكة الحديد .. هل تصبح معان بوابة الأردن اللوجستية؟
التاج الإخباري -
وفاء صبيح.من العقبة إلى معان .. سكة حديد تفتح آفاقًا جديدة للاقتصاد الأردني
عقل لـ " التاج" : سكة حديد العقبة – معان .. مشروع استراتيجي يعيد رسم خريطة النقل في الأردن
يمثل مشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان أحد المشاريع الاستراتيجية لتطوير قطاع النقل والتعدين في الأردن، لما يوفره من فرص لخفض كلف نقل الفوسفات والبوتاس وتعزيز تنافسية الصادرات وفتح آفاق استثمارية جديدة في محافظات الجنوب، إلى جانب إمكانية تطوير ممر اقتصادي ولوجستي يخدم قطاعات الصناعة والتجارة.
ويمتد المشروع - وفق التصور المعلن - على نحو 403 كيلومترات، تشمل مساري الفوسفات والبوتاس بطول 360 كيلومتراً، إلى جانب وصلة الشيدية – معان بطول 43 كيلومتراً، لربط ميناء العقبة الصناعي بمناجم الفوسفات في الشيدية ومناطق إنتاج البوتاس في غور الصافي، فضلاً عن ربط المشروع بميناء معان البري ليكون مركزاً لتجميع البضائع وتخزينها ومناولتها وإعادة توزيعها.
وتبلغ قيمة الاستثمار المعلنة للمشروع نحو 2.5 مليار دولار، فيما يُتوقع أن يبدأ التنفيذ الرئيسي خلال عام 2027، على أن تستغرق الأعمال نحو خمس سنوات، وفق التصريحات المعلنة.
ولتسليط الضوء على هذا المشروع، أكد خبير الطاقة هاشم عقل أن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تقتصر على خفض كلف نقل الفوسفات والبوتاس وحسب، بل تمتد إلى إمكانية تطوير شبكة نقل متكاملة تخدم قطاعات التعدين والصناعة والتجارة، وتسهم في تعزيز تنافسية الصادرات الأردنية واستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن المشروع يمكن أن يشكل نواة لممر اقتصادي ولوجستي وطني يدعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
وأوضح عقل خلال حديثه لـ "التاج الإخباري" أن المشروع يعتمد في جدواه الاقتصادية على نقل كميات كبيرة وثابتة من البضائع، موضحاً أن المرحلة الأولى تستهدف نقل نحو 16 مليون طن سنوياً، موزعة بواقع 13 مليون طن من الفوسفات وثلاثة ملايين طن من البوتاس.
وأشار إلى أن ضمان هذه الكميات يمثل عاملاً أساسياً في تحقيق الجدوى المالية للمشروع، لافتاً إلى أن الدراسات والتصريحات المعلنة تربط الوصول إلى حمولة تقارب 16 مليون طن سنوياً بتحقيق عائد لا يقل عن 7%.
وأضاف أن إبرام اتفاقيات طويلة الأجل مع شركات التعدين والجهات الصناعية من شأنه أن يسهم في ضمان تدفق البضائع واستقرار عمليات التشغيل، بما يعزز فرص نجاح المشروع واستدامته اقتصادياً.
وأكد عقل أن العائد المباشر المعلن للمشروع يتمثل في خفض كلفة نقل الفوسفات والبوتاس بنحو 40 مليون دولار سنوياً، مشيراً إلى أن المكاسب الاقتصادية المحتملة تتجاوز هذا الرقم لتشمل تقليل استهلاك الوقود، وخفض كلف النقل بالشاحنات وصيانة الطرق، وتقليل الاختناقات المرورية، وتحسين كفاءة نقل الصادرات إلى ميناء العقبة.
وأوضح أن هذه العوامل يمكن أن تنعكس إيجاباً على تنافسية المنتجات الأردنية في الأسواق العالمية، من خلال خفض الكلف اللوجستية وتسريع وصول الشحنات إلى الموانئ.
معان مركز لوجستي وصناعي
ويمثل ميناء معان البري أحد أهم الجوانب الاستراتيجية للمشروع، لذا من الضروري تطويره ليكون مركزاً لوجستياً متكاملاً، وليس مجرد محطة لاستقبال البضائع.
وهذا التوجه يفتح المجال أمام إنشاء المستودعات وساحات الحاويات ومراكز التوزيع والتخزين، إلى جانب توفير الخدمات الجمركية ومرافق المناولة والتعبئة والتغليف والصيانة، بما يعزز قدرة المحافظة على استقطاب الاستثمارات الصناعية والتجارية.
كما يمكن أن يسهم تطوير هذه المرافق في تحويل معان من منطقة عبور إلى مركز اقتصادي ولوجستي يستقطب الأنشطة الصناعية والتجارية، ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وينشط اقتصاد المحافظات الجنوبية، بحسب عقل.
وتتحدث التقديرات الرسمية عن إمكانية توفير نحو خمسة آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة مرتبطة بالمشروع، مؤكداً أن توسيع الأنشطة الصناعية واللوجستية المصاحبة من شأنه أن يعزز الأثر الاقتصادي والاستثماري للمشروع.
توسيع استخدامات السكة يعزز العائد الاقتصادي
ولعل إحدى أهم الفرص الاستراتيجية للمشروع تتمثل في عدم حصر استخداماته بنقل الفوسفات والبوتاس، بل تطويره باعتباره جزءاً من بنية تحتية وطنية متعددة الاستخدامات، قادرة على خدمة قطاعات إنتاجية وصناعية مختلفة.
ويمكن توسيع نطاق البضائع المنقولة ليشمل منتجات الصناعات المرتبطة بالفوسفات، مثل الأسمدة وحمض الفوسفوريك، إلى جانب المنتجات الكيميائية والصناعية المرتبطة بالبوتاس والبرومين، فضلاً عن الإسمنت والحجر والرخام والسيليكا والكاولين وغيرها من المعادن والمواد الخام.
وفي هذا الجانب، أوضح عقل أن نقل المنتجات الصناعية والنهائية، إلى جانب المواد الخام يعزز القيمة المضافة للصادرات الأردنية، مشيراً إلى أن وجود وسيلة نقل قادرة على التعامل مع الكميات الكبيرة بكفاءة يمكن أن يشجع المستثمرين على إقامة مصانع ومرافق معالجة بالقرب من مواقع الإنتاج وخطوط السكك الحديدية.
وأضاف أن هذا التكامل من شأنه أن يخلق محوراً صناعياً ولوجستياً يربط الشيدية ومعان بالعقبة، ويجمع بين مواقع التعدين ومصانع المعالجة ومرافق التخزين والنقل والموانئ، وصولاً إلى الأسواق العالمية.
ولفت إلى أن نقل الحاويات يمثل مجالاً مهماً للتوسع المستقبلي، موضحاً أن الربط بين ميناء العقبة وميناء معان البري يمكن أن يدعم عمليات التخزين وإعادة التوزيع ونقل البضائع إلى الأسواق المحلية والإقليمية، مشيراً إلى إعلان الشركة التزاماً مستقبلياً بنقل نحو 300 ألف حاوية بين الميناءين.
التكامل بين القطار والشاحنات ضرورة اقتصادية
وضمن إطار الحديث عن هذا المشروع الضخم، تجدر الإشارة إلى أن تطوير السكك الحديدية لا يعني الاستغناء عن الشاحنات، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين وسائل النقل المختلفة.
إذ يمكن للقطارات أن تتولى نقل الكميات الكبيرة لمسافات طويلة، في حين تستمر الشاحنات في توزيع البضائع محلياً ونقلها إلى وجهاتها النهائية، بما يحقق التكامل بين النقل السككي والبري، بحسب عقل.
وأوضح أن هذا النموذج يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على الطرق وتحسين كفاءة نقل البضائع، مع المحافظة على دور قطاع النقل البري في تقديم الخدمات التي تتطلب المرونة والوصول المباشر إلى المنشآت والأسواق.
وأضاف أن انتظام وصول الشحنات إلى ميناء العقبة يمكن أن يدعم كفاءة عمليات المناولة ودوران الأرصفة، ويحد من أوقات انتظار السفن، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على سلسلة التصدير والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.
الربط الوطني والإقليمي يضاعف الفرص
وحول القيمة الاستراتيجية للمشروع، أشار عقل إلى أنها ستزداد مع إمكانية ربطه مستقبلاً بمراكز صناعية وتجارية أخرى في المملكة، تشمل عمّان والزرقاء والمفرق إلى جانب فرص الربط الإقليمي مع السعودية والعراق وسوريا، وصولاً إلى تركيا وأوروبا، وفق الخطط والاتفاقيات والبنية التحتية اللازمة.
وأكد أن توسيع شبكة السكك الحديدية يمكن أن يعزز موقع الأردن في حركة التجارة الإقليمية، من خلال التكامل بين الموانئ والسكك الحديدية والموانئ البرية والمناطق الصناعية ومراكز التخزين والتوزيع.
وأضاف أن هذا التوجه من شأنه أن يتيح للمملكة تقديم خدمات لوجستية متكاملة، بدلاً من الاقتصار على خدمات الموانئ والنقل التقليدي، مشيراً إلى أهمية التنسيق بين مشاريع البنية التحتية والخطط الصناعية والاستثمارية لضمان استقطاب الشركات والمستثمرين.
40 مليون دولار سنويًا .. هل تفتح سكة الحديد آفاقًا جديدة لمعان؟
ومن هنا يمكن القول إن نجاح مشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان يرتبط بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها ضمان كميات الشحن المستهدفة، وتطوير ميناء معان البري بالتزامن مع تنفيذ السكة، وتهيئة البنية التحتية لاستقبال بضائع إضافية، إلى جانب العمل على ربط المشروع مستقبلاً بشبكة نقل وطنية وإقليمية أوسع.
فالعائد المباشر المقدر بنحو 40 مليون دولار سنوياً من خفض كلف نقل الفوسفات والبوتاس يمثل جانباً من الجدوى الاقتصادية، فيما ستعتمد المكاسب الأوسع على قدرة الأردن على استقطاب الصناعات والاستثمارات وتوسيع حركة الحاويات والبضائع عبر الشبكة.
إلا أن الرهان الاقتصادي الحقيقي يتمثل في تحويل الكيلومترات الـ 403 الأولى إلى نواة لشبكة قادرة على خدمة قطاعات متعددة وزيادة أحجام البضائع المنقولة مستقبلاً، بما يعزز الترابط بين التعدين والصناعة والنقل والتجارة.
ويمكن أن تتحول السكة الحديدية من مشروع لنقل الفوسفات والبوتاس إلى رافعة للنمو الاقتصادي ومحرك للاستثمار وفرص العمل، كما أن تكاملها مع الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية سيعزز فرص الأردن في سلاسل الإمداد والتجارة الإقليمية.
الرجاء الانتظار ...