السابع من أكتوبر .. الروسان لـ"التاج": نقطة تحول كبرى في التاريخ والأردن يرفض التهجير والتقسيم

التاج الإخباري -


لينا الناصر

قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد أيمن الروسان إن السابع من أكتوبر 2023 شكل نقطة تحول كبرى في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، مبينًا أن المنطقة دخلت منذ ذلك اليوم مرحلة جديدة اتسعت فيها المواجهة العسكرية والسياسية والإنسانية، وتحولت غزة إلى ساحة لحرب غير مسبوقة في حجم الدمار والخسائر البشرية.

وأشار الروسان في حديثه لـ"التاج الإخباري"،الأربعاء، إلى أن أهم ما تغير خلال السنوات الثلاث الماضية لم يكن في الميدان وحده، بل في صورة القضية الفلسطينية داخل الرأي العام العالمي وفي طبيعة الخطاب السياسي الغربي تجاهها.

وبيّن أن الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني برز خلال هذه التطورات كطرف فاعل في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني سياسيًا ودبلوماسيًا وإنسانيًا، واضعًا مجموعة من الثوابت التي لم تتغير منذ بداية الحرب، وفي مقدمتها وقف الحرب، ورفض التهجير القسري، وحماية المدنيين، ورفض فصل غزة عن الضفة الغربية، والتمسك بحل الدولتين.

وأوضح أن الأردن طالب منذ الساعات الأولى للحرب بوقف إطلاق النار، وحذر من خطورة استمرار العمليات العسكرية على المدنيين، لافتًا إلى أن الأردن ألغى في 18/10/2023 القمة الرباعية التي كانت مقررة في عمان مع الرئيس الأمريكي جو بايدن عقب مجزرة المستشفى المعمداني، كما استدعى في الأول من تشرين الثاني سفيره من تل أبيب، وطلب عدم عودة السفير الإسرائيلي إلى عمان حتى تتوقف الحرب.

وقال الروسان لـ"التاج" إن الموقف الأردني لم يكن قائمًا على رد الفعل فقط، بل على رؤية سياسية واضحة ترى أن ما جرى في السابع من أكتوبر لا يمكن عزله عن عقود من الاحتلال والاستيطان والحصار وغياب الحل السياسي.

وأضاف أن الأردن خاض من هنا معركة دبلوماسية واسعة في واشنطن والعواصم الأوروبية والمحافل الدولية لتصحيح الرواية المتعلقة بجذور الصراع والتأكيد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ولفت الروسان إلى أن رفض التهجير كان أحد أكثر المواقف الأردنية وضوحًا وحزمًا، مبينًا أن جلالة الملك اعتبر تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية خطًا أحمر، وأن أي محاولة لدفع الفلسطينيين خارج أرضهم تعني تصفية للقضية الفلسطينية وتهديدًا مباشرًا للأمن الوطني الأردني.

وأشار إلى أن الأردن لم يكتفِ بالموقف السياسي، بل انتقل إلى العمل الميداني والإنساني، وتحول إلى مركز رئيسي لجهود الإغاثة المتجهة إلى غزة برًا وجوًا.

وبيّن أن الأردن وشركاءه نفذوا خلال فترة الحرب مئات عمليات الإنزال الجوي للمساعدات، بينها 164 عملية نفذها سلاح الجو الملكي الأردني، كما تم تسيير ما يفوق 200 قافلة برية ضمت الآلاف من الشاحنات من المواد الغذائية والطبية والإيوائية عبر الهيئة الخيرية الهاشمية، إلى جانب العديد من طائرات المساعدات عبر مطار العريش حملت أكثر من نصف مليار طن من المساعدات.

وأوضح أن المستشفيات الميدانية الأردنية في شمال وجنوب غزة واصلت عملها رغم الظروف الأمنية الصعبة، واستقبلت أكثر من 800 ألف مراجع وأجرت الآلاف من العمليات.

وأردف أن الدور الإنساني امتد إلى مبادرة استعادة الأمل التي ساهمت في تركيب الآلاف من الأطراف الصناعية لمبتوري الأطراف، وأفران الخبز، والعديد من الأبنية الجاهزة، إلى جانب مشاريع سقيا المياه، إضافة إلى طرح الأردن مبادرة الممر الطبي لنقل نحو 2000 طفل مريض من غزة للعلاج في الأردن.

وقال إن هذه الجهود تعكس طبيعة الدور الأردني الذي جمع بين التحرك السياسي والدعم الإنساني المباشر.

خطاب الملك في الأمم المتحدة

وبيّن الروسان أن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر شهر 9 الماضي شكل نقطة تحول فارقة في الدبلوماسية الأردنية والعربية، مشيرًا إلى أن الملك اعتلى منبر نيويورك بنبرة مختلفة تمامًا عن أدبيات المناشدة التقليدية، حاملًا لغة صريحة ومباشرة لم تكتفِ بتوصيف المعاناة الإنسانية في غزة والضفة الغربية، بل اتجهت مباشرة إلى تفكيك المصطلحات والمفاهيم الإسرائيلية والغربية التي أسيء استخدامها لعقود.

وأوضح أن تركيز الخطاب انصب على إسقاط التوصيفات الإدارية التي تتستر خلفها ممارسات الاحتلال، مبينًا أن المستوطنات وتجريف الأراضي في الضفة الغربية لم تعد تذكر كإجراءات إدارية، بل ضم فعلي، إضافة إلى هدم المنازل ومصادرة الممتلكات.

ولفت إلى أن الخطاب تناول الاستراتيجية الإسرائيلية ذاتها التي تسعى لفصل ملف قطاع غزة عن الضفة الغربية، موضحًا أن الملك بيّن للرأي العام العالمي أن التدمير الممنهج في غزة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يخضعان لرؤية واحدة تهدف إلى تدمير الدولة الفلسطينية المستقبلية وتفريغ حل الدولتين من مضمونه.

وأشار إلى أن الرسالة السياسية الأشد حزمًا جاءت خصوصًا بشأن حقوق الشعب الفلسطيني، إذ حسم الخطاب أن قيام الدولة الفلسطينية ليس مكافأة ينتظر الإنعام بها من سلطات الاحتلال، بل هو حق أصيل وثابت لا يقبل الجدال.

وأكد الروسان أن القيمة الحقيقية لهذا الخطاب لا تكمن فقط في نبرته الصريحة، بل في كونه قدم إطارًا تحليليًا وقانونيًا متكاملًا يتسق مع التحولات الأخيرة في مواقف المنظومة الدولية والمحاكم الدولية والرأي العام الغربي، معيدًا الصراع إلى جذوره السياسية والقانونية الأصلية بعيدًا عن أوهام إدارة الأزمة أو اختزالها في أبعاد إنسانية مؤقتة.

تغيير الرواية في الغرب

وأشار الروسان إلى أنه خلال السنوات الثلاث الماضية حدث تغير واضح في صورة القضية الفلسطينية داخل المجتمعات الغربية.

وقال إنه في بداية الحرب كانت الرواية الأمنية الإسرائيلية تهيمن على مساحة واسعة من الخطاب السياسي والإعلامي، وكان الحديث عن الحقوق الفلسطينية يتراجع أمام خطاب مكافحة الإرهاب والدفاع عن إسرائيل.

وأوضح أن استمرار الحرب وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين واتساع حجم الدمار والانتهاكات أدى إلى تحول تدريجي في الرأي العام الغربي، لافتًا إلى ظهور احتجاجات واسعة في الجامعات والمدن الكبرى، وارتفاع الأصوات المطالبة بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات واحترام القانون الدولي.

كما أشار إلى أن الموقف السياسي الدولي شهد تحولًا مهمًا مع تزايد عدد الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، وارتفاع الضغوط على إسرائيل، وتفعيل المسارات القانونية الدولية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

وبيّن أن الأردن لم يكن العامل الوحيد في هذا التحول بطبيعة الحال، فهناك عوامل ميدانية وقانونية وشعبية وسياسية عديدة ساهمت فيه، إلا أن الدبلوماسية الأردنية لعبت دورًا مهمًا في الحفاظ على القضية الفلسطينية حاضرة في العواصم الغربية، وتقديمها باعتبارها قضية حقوق وعدالة وقانون دولي وليست مجرد صراع أمني.

وأردف الروسان أن السنوات الثلاث الماضية أثبتت أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للتهميش كما كانت قبل السابع من أكتوبر، مبينًا أن الحديث عن الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير وحل الدولتين والقانون الدولي عاد إلى صدارة النقاش العالمي.

وأكد أن الموقف الأردني يبقى ثابتًا في جوهره، فلا سلام حقيقيًا من دون عدالة، ولا استقرار في المنطقة من دون حل القضية الفلسطينية، ولا دولة فلسطينية من دون غزة والضفة والقدس الشرقية، ولا يمكن تحقيق السلام عبر التهجير أو فرض الأمر الواقع بالقوة.

ولفت إلى أن أهمية الدور الأردني تكمن في أنه لم يقتصر على دعم غزة خلال الحرب، بل امتد إلى معركة سياسية ودبلوماسية أوسع عنوانها الحفاظ على القضية الفلسطينية ومنع تصفيتها، والدفع باتجاه حل سياسي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال والكرامة


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى