حين غاب ضوء اللوح أضاءته الإرادة .. المعلمة عفاف الصالح تثبت في يوم المعلم أن نور الرسالة لا تحدّه عين
التاج الإخباري -
لينا الناصرفي غرفة صفية، كانت عفاف الصالح تجلس مثل بقية زميلاتها، تصغي إلى شرح المعلمة وتتابع حركة القلم على اللوح، لكن شيئًا واحدًا كان يفصلها عن المشهد؛ كانت الكلمات التي تُكتب أمامها تتوارى خلف عينيها، فيما كانت الدروس تمضي ولا تنتظر أحدًا.
لم يكن اللوح واضحًا لعينيها، ولم تكن الحروف المرسومة عليه تصل إليها كما تصل إلى زميلاتها، فاختارت أن تبحث عن طريق آخر إلى المعرفة. حملت جهاز التسجيل، وسجّلت دروسها صوتيًا، وكأنها كانت تستبدل عينًا لا ترى بأذنٍ تحفظ، وإرادةٍ لا تعرف الاستسلام.
هكذا بدأت حكاية عفاف الصالح حسب ما روته لـ"التاج الإخباري"؛ معلمة كفيفة لم تجعل من الإعاقة خاتمةً للحكاية، بل جعلت منها بدايةً لطريق طويل، امتد من مقاعد الدراسة إلى مقاعد الجامعة، ثم إلى درجة الماجستير في التربية الخاصة، وصولًا إلى رسالة تؤمن بأن التعليم حق، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببًا للإقصاء.
الصالح، المولودة في عمّان عام 1975، والحاصلة على درجة البكالوريوس في التربية الاجتماعية والماجستير في التربية الخاصة، وأم لشابتين، تعرف جيدًا أن الطريق إلى النجاح ليس دائمًا معبّدًا، وأن بعض الأحلام تضطر إلى أن تمشي فوق الأشواك قبل أن تصل.
في المرحلة المدرسية، لم تكن مشكلتها في فهم الدرس، بقدر ما كانت في الوصول إليه. كانت تجد صعوبة في رؤية ما تخطه المعلمات على اللوح وقراءته، فابتكرت طريقتها الخاصة في التعلم، وسجلت دروسها صوتيًا، لتستعيدها لاحقًا وتواصل ما بدأته في الصف.
لكن الطريق لم يصبح أكثر سهولة حين انتقلت إلى الجامعة؛ بل بدا أكثر اتساعًا في تحدياته. كانت المحاضرات تحتاج إلى من يسجلها صوتيًا، وكانت المسافة بين الجامعة والمنزل تزيد من مشقة التنقل، فيما لم تكن المواصلات العامة دائمًا عونًا لها.
ومع كل عائق، كانت الصالح تمضي خطوة أخرى.
لهذا اختارت لاحقًا دراسة التربية الخاصة؛ لأنها لم تتعامل مع التخصص بوصفه شهادة أكاديمية فحسب، بل بوصفه امتدادًا لتجربة شخصية عاشت تفاصيلها بنفسها وأرادت أن تكون أقرب إلى أصوات الأشخاص ذوي الإعاقة، وأن تسلط الضوء على احتياجاتهم، وأن تساهم في بناء بيئة تعليمية وتربوية واجتماعية أكثر ملاءمة لهم.
وترى الصالح أن التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة لا تبدأ دائمًا من الإعاقة نفسها، وإنما قد تبدأ من نظرة المجتمع إليها. وتشير إلى أن من أبرز العقبات صعوبة تقبل المجتمع لهم، إلى جانب صعوبات استكمال التعليم نتيجة عدم توفير المواد التعليمية بالطرق التي تناسب احتياجاتهم، فضلًا عن حاجة بعض الأسر إلى مزيد من الوعي والتقبل، وكذلك محدودية فرص العمل، ولا سيما في القطاع الخاص.
وفي مواجهة ذلك، تؤكد أن الأسرة والمجتمع يستطيعان صناعة فارق كبير، وأن الحوار البنّاء، خصوصًا بعد مرحلة الطفولة المبكرة، يمكن أن يكون خطوة أساسية نحو الفهم والتقبل. كما أن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة مع أقرانهم يساعد على تعزيز مهاراتهم الإيجابية ويفتح أمامهم مساحة أوسع للمشاركة والانتماء.
أما المعلم، في نظرها، فلا يقتصر دوره على شرح الدرس أو نقل المعلومة؛ فالمعلم يستطيع أن يكون جسرًا يعبر عليه الطالب من العزلة إلى الاندماج، ومن الشعور بالاختلاف إلى الإحساس بالمشاركة.
وتشير الصالح إلى أن دمج الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة في الصفوف الأولى قد يكون أكثر صعوبة، فيما يمكن أن يصبح الدمج في المراحل الإعدادية أكثر سلاسة، معتبرة أن تسريع عملية الدمج يمكن أن يسهم في تعزيز تقبل المجتمع لهذه الفئة.
وبين بدايةٍ كانت فيها الحروف على اللوح بعيدة عن عينيها، وحاضرٍ أصبحت فيه هي من يحمل رسالة التعليم، تبدو رحلة عفاف الصالح أشبه بدائرة اكتملت؛ طالبة كانت تبحث عن وسيلة تصل بها إلى المعرفة، ومعلمة تحاول اليوم أن تجعل المعرفة أقرب إلى من يحتاجونها.
وفي يوم المعلم، لا تبدو قصتها مجرد حكاية عن معلمة واجهت الإعاقة وتجاوزت صعوباتها، بل حكاية عن إنسانة اختارت أن تحول تجربتها الشخصية إلى رسالة عامة؛ وأن تجعل من الألم معرفة، ومن التحدي دافعًا، ومن التجربة جسرًا يعبر عليه آخرون.
وتنظر الصالح إلى المستقبل بعينٍ مختلفة؛ فبرأيها، يبدو مستقبل الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر إشراقًا، سواء على مستوى إنجازاتهم أو على مستوى تقبل المجتمع لهم، فيما يمكن لعصر السرعة والتطور أن يؤدي دورًا أكبر في توفير حياة أفضل وأكثر انفتاحًا أمامهم.
فقد لا يكون الضوء دائمًا في العين، وقد لا يكون الطريق دائمًا سهلًا، لكن بعض الناس يتعلمون أن يصنعوا من الإرادة ضوءًا، ومن الصبر طريقًا، ومن المستحيل احتمالًا آخر للعبور
الرجاء الانتظار ...