من "فرح" إلى "عون" .. هل بدأت المؤسسات الأردنية بصناعة موظفيها الرقميين؟
التاج الإخباري -
حنين زبيده ْقبل نحو شهر، وتحديدا في الثالث من أيلول الماضي، أطلقت الحكومة الأردنية الناطق الرقمي الحكومي "فرح"، كشخصية افتراضية مطورة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف تقديم المعلومات الحكومية للمواطنين وتسهيل الوصول إليها، في خطوة قُدمت باعتبارها إحدى أدوات التواصل الحكومي الرقمي.
واليوم، بعد شهر واحد فقط، يظهر اسم جديد في المشهد، لكن هذه المرة من داخل مؤسسة رسمية أخرى؛ إذ أطلق صندوق الائتمان العسكري، شخصية افتراضية باسم "عون"، حملت مسمى "الموظف الرقمي لصندوق الائتمان العسكري"، لتطوير قنوات التواصل الرقمي مع المستفيدين، وتسهيل وصولهم إلى المعلومات والخدمات المالية والائتمانية التي يقدمها الصندوق.
قد تبدو التجربتان منفصلتين؛ "فرح" للاتصال الحكومي، و"عون" لخدمة المستفيدين في صندوق الائتمان العسكري، لكن ظهورهما خلال فترة زمنية قصيرة يفتح سؤالا أكبر من التجربتين نفسيهما:
هل بدأت المؤسسات الرسمية في الأردن تتجه فعليا نحو صناعة "موظفين رقميين" باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
فإذا كانت "فرح" تمثل شخصية رقمية تتحدث باسم الحكومة وتقدم المعلومات للجمهور، و"عون" يؤدي دور موظف رقمي يشرح الخدمات ويجيب عن استفسارات المستفيدين، فماذا بعد؟
هل نشهد في المستقبل القريب صناعة شخصيات رقمية أخرى داخل المؤسسات الرسمية، كل منها يؤدي وظيفة محددة؟ موظف خدمة عملاء، موظف استقبال، مرشد للخدمات الحكومية، مستشار معلومات، ناطق إعلامي، أو حتى شخصيات متخصصة في قطاعات بعينها؟
ومن القادم بعد "فرح" و"عون"؟
هذا السؤال يقود إلى سؤال آخر أكثر ارتباطا بمستقبل العمل نفسه: إلى أي مدى يمكن أن تتوسع هذه التجارب، وما المهام التي يمكن أن تنتقل مستقبلا من الموظف البشري إلى الشخصيات الرقمية؟
فالشخصية الرقمية التي تبدو أمام المستخدم وكأنها إنسان حقيقي ليست مجرد صورة توضع على شاشة، وإنما تقف خلفها منظومة تقنية تشمل تصميم الشخصية الافتراضية، وإنتاج الصوت، وتحريك الوجه والتعبير، وتقنيات فهم الأسئلة وتوليد الإجابات، وربط الشخصية بقواعد البيانات والمعلومات، إلى جانب التحديث المستمر والصيانة والتطوير.
وتختلف كلفة هذه المشاريع بصورة كبيرة بحسب مستوى التعقيد والتقنيات المستخدمة، إلا أن تطوير حلول ذكاء اصطناعي مخصصة قد يتطلب استثمارات تبدأ من آلاف الدولارات وتصل إلى مئات الآلاف، وفقا لتقديرات منشورة حديثا في قطاع تطوير منصات الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن بناء شخصية رقمية متقدمة وتشغيلها ليس بالضرورة مجرد إضافة تقنية منخفضة الكلفة.
وفي الوقت الذي تنفق فيه المؤسسات على تطوير هذه الأدوات الرقمية، يقف سوق العمل الأردني أمام تحد مختلف.
فلا يزال عدد كبير من الأردنيين، ولا سيما الشباب، يبحثون عن فرصة عمل وسط سوق تنافسي، في وقت تتجه فيه المؤسسات إلى الاستثمار في التكنولوجيا والأتمتة والذكاء الاصطناعي.
وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش، فبينما يحاول شاب جامعي أن يجد لنفسه موطئ قدم في سوق العمل، تظهر في المؤسسات شخصيات رقمية قادرة على أداء بعض المهام التي كان يتولاها موظفون بشريون.
لكن هل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيأتي بالضرورة على حساب الوظائف؟
ليس بالضرورة.. لكن في المقابل، فإن توسع استخدام هذه التقنيات سيعيد طرح سؤال مهم حول نوع الوظائف التي ستبقى، والوظائف التي ستتغير، والمهارات التي سيحتاجها الموظف الأردني في السنوات المقبلة.
وبعد "فرح" و"عون"، لن يقف السؤال المطروح عند: من سيكون الموظف الرقمي القادم؟
بل ربما يكون السؤال الأهم: كم موظفا رقميا ستحتاجه المؤسسات الأردنية مستقبلا؟ وأي وظائف سيؤديها هؤلاء؟ وماذا سيكون نصيب الموظف البشري في سوق عمل يتغير بهذه السرعة؟
فـ"فرح" بدأت كناطق رقمي، و"عون" ظهر كموظف رقمي، وربما تكون الخطوة التالية أوسع من مجرد شخصيتين افتراضيتين؛ ربما تكون بداية مرحلة تعيد فيها المؤسسات تعريف معنى "الموظف" نفسه.
الرجاء الانتظار ...