البواعنة يكتب: تحدي الطاقة لبناء نموذج سيادي للذكاء الاصطناعي

بقلم: طلال البواعنة - محامي وباحث

بعد أن نشرت مؤخرًا مقالي حول السيادة الوطنية على الذكاء الاصطناعي:نحو نموذج أردني (AI in a Box)، والذي تمحور حول أهمية السيطرة على التطبيقات الذكية والأدوات اللازمة لمعالجتها، خاصة في المؤسسات السيادية، تلقيت ملاحظات قيمة من صديق متخصص يحمل درجة الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي، حيث لفت نظري إلى مسألة مهمة تتعلق بكميات الطاقة الهائلة التي تحتاجها مراكز البيانات الذكية لتشغيل منظوماتها وتوفيرها للمستهلك، وهو أمر يستحق النقاش على المستوى الوطني عند بحث فكرة السيادة على الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي، يقف خلفه في الواقع عالم مادي ضخم من الخوادم ووحدات المعالجة وأنظمة التبريد وشبكات الكهرباء، وكلما ازدادت قدرات الذكاء الاصطناعي واتسع استخدامه، ازدادت حاجته إلى هذه الموارد.
ولتوضيح ذلك ، تكشف الارقام حقائق ملفتة، حيث ورد في تقرير لمكتب الإحصاء المركزي الهولندي CBS
أن مراكز البيانات في هولندا استهلكت 5100 جيجاواط من الكهرباء عام 2024 (حوالي 4.6% من إجمالي استهلاك الكهرباء في هولندا)، وهذا يُعادل الاستهلاك السنوي للكهرباء لما يقرب من مليوني منزل، وهذه الارقام آخذة في الازدياد طردياً ، بدليل ان استهلاك المراكز من الكهرباء ارتقع بنسبة 37% منذ عام 2021 .
في نفس السياق، أكدت وكالة الطاقة الدولية تضاعف الاستثمار العالمي في مراكز البيانات تقريبًا منذ عام 2022 بقيمة وصلت نصف تريليون دولار عام 2024، وبحجم استهلاك للكهرباء بلغ 1.5% أو 415 تيراوط TWh، ومن الواضح أن طفرة الاستثمار هذه تزايد المخاوف بشأن ارتفاع الطلب على الكهرباء، والذي من المتوقع أن يصل إلى حوالي 945 تيراواط بحلول عام 2030، وهو ما يزيد قليلاً عن إجمالي استهلاك الكهرباء في اليابان.
إذن نحن أمام حقيقة لا بد من إدراكها والتعامل معها مبكراً، وهو صلب ما ورد في دراسة منشورة لوكالة الطاقة الدولية وفحواها : There is No AI Without Energy / لا ذكاء اصطناعي دون طاقة، وبالتالي لا سيادة رقمية حقيقية دون بنية تحتية قادرة على إبقاء هذه المنظومة تعمل.
عندما يصطدم الذكاء الاصطناعي بواقع الطاقة والمياه في الأردن
إذا كنا نطمح إلى امتلاك جزءاً من السيادة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وحفظ ومعالجة البيانات الأكثر حساسية ضمن بيئة وطنية، فإن علينا أن نأخذ في الحسبان موضوع الكميات التي سنحتاجها لاستهلاك الكهرباء والمياه اللازمة للتبريد، فوكالة الطاقة الدولية تقول "ستكون الدول القادرة على توفير الطاقة اللازمة بسرعة وعلى نطاق واسع هي المكان الأفضل لهذه البرامج".
Countries that can deliver the energy needed at speed and scale will be best placed to benefit.
أما قصة "المياه" فهي تجعل الحالة الأردنية مختلفة وقد تكون متفردة عن كثير من الدول، فالاستراتيجية الوطنية للمياه تشير إلى أن حصة الفرد في الأردن تراجعت إلى أقل من 61 مترًا مكعبًا سنويًا لكافة الاستخدامات، وهو مستوى يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له الموارد المائية الوطنية، وبالنظر إلى أن مراكز البيانات بحاجة إلى التخلص باستمرار من الحرارة الهائلة التي تنتجها الخوادم ووحدات المعالجة، فإن مشكلة المياه تصبح أكثر تعقيداً لأن بعض تقنيات التبريد تعتمد على المياه بصورة مباشرة، فضلًا عن المياه المستخدمة بصورة غير مباشرة في إنتاج الكهرباء.
وتقدم إحدى الدراسات العلمية للبصمة المائية للذكاء الاصطناعي مثالًا واقعياً، إذ قدرت أن تدريب نموذج GPT-3 في مراكز بيانات أمريكية يمكن أن يؤدي - وفق ظروف التشغيل والتبريد التي درستها - إلى استهلاك مباشر يقارب700 ألف لتر من المياه العذبة.
رغم ذلك، هل نقف مكتوفي الأيدي وهل توجد حلول بديلة عملياً ، وهنا يمكن ان نتطرق الى التفكير بخيارات متاحة ومحاولة تذليل العقبات التي تواجهها .
الخيارات المتاحة/ النموذج الأردني :
يملك الأردن نقطة قوة جيدة تتمثل في التقدم الذي حققه في الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إذ تستهدف استراتيجية قطاع الطاقة 2025–2035 رفع مساهمة المصادر المتجددة لـ 40% من خليط الكهرباء بحلول عام 2035، وهذه فرصة حقيقية، لكنها لا تلغي التحدي كلياً، لأن التوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية والرياح لخدمة مراكز البيانات يجب أن يرافقه تطوير حلول التخزين والربط بالشبكة ومصادر الطاقة القابلة للتشغيل عند الحاجة.
وهذا يقود إلى قاعدة قد يكون من المهم تبينها مستقبلًا، ومفادها عدم التخطيط لمركز بيانات كبير في الأردن بعيداً عن التخطيط لمصادر الطاقة الذي ستحتاجه للتشغيل، فالدول التي تريد أن تصبح لاعبًا في صناعة الذكاء الاصطناعي يجب أن تدرك أن المسألة لا تتعلق فقط بشراء الرقائق والخوادم، وإنما أيضًا بتأمين الكهرباء والبنية التحتية.
وبالعودة إلى التجربة السعودية (شركةHUMAIN )، التي تستهدف بناء مشروع ذكاء اصطناعي سيادي واستضافة وتشغيل النماذج، فقد اعلنت الشركة في آب الماضي أن أنظمة المعالجة أصبحت تعمل بالفعل داخل السعودية، وتستهدف المرحلة التالية بناء قدرات تصل إلى250 ميغاواط ابتداءً من 2027، ضمن خطة عمل بالشراكة مع CISCO و AMD لتصل الى 1 غيغاواط بحلول 2030.
الأردن لا يستهدف استساخ النموذج السعودي الرامي لبناء قدرات تكنولوجية منافسة عالمياً، بالاعتماد على موارد مالية وطاقة ومساحات وقدرات استثمارية مختلفة، فالهدف الأردني يمكن أن يكون أكثر تحديدًا وأقل كلفة: امتلاك الحد الضروري من القدرات التكنولوجية لضمان السيادة على البيانات التي لا يجوز أن نفقد السيطرة عليها (أي بيانات المؤسسات السيادية الحساسة) .
وكما أشرنا في مقالنا السابق إلى أن بناء نموذج اردني AI in a Box يتطلب تدرجاً منطقا وممنهجاً يراعي قدراتنا وامكاناتنا الفعلية وأن يكون مستداماً مهما بدأ بسيطاً ومتواضعاً، فالحل قد يكون بالتركيز على نماذج أصغر يتم تكييفها لخدمة احتياجات محددة، والاستفادة من تقنيات ضغط النماذج وتقليل حجمها وكلفة تشغيلها، واللجوء إلى البنية الحاسوبية العالمية في المجالات التي لا تمس البيانات السيادية.
ومن ضمن الخيارات المتاحة :
1. المياه: يمكن إعطاء الأولوية لأنظمة التبريد المغلقة والتبريد الجاف وغيرها من الحلول التي تقلل الاعتماد على المياه العذبة إلى أدنى مستوى ممكن.
2. الطاقة: دراسة إنشاء قدرات تكنولوجية محلية تتوفر فيها إمكانات جيدة للطاقة الشمسية والربط الكهربائي والألياف الضوئية، وربط أي توسع كبير في القدرة الحاسوبية بإضافة قدرات جديدة في الطاقة المتجددة والتخزين، بدل تحميل الشبكة الوطنية الطلب الجديد دون تخطيط مسبق.
3. توظيف الذكاء الاصطناعي وتسخير أفضل تطبيقاته للتنبؤ بالأعطال والتسربات في شبكات المياه، وتحليل أنماط الاستهلاك، وكذلك الأمر بالنسبة للكهرباء، لتوجيه هذه المقدرات بالصورة الأمثل نحو مشروعنا للذكاء الاصطناعي، دون المساس أو التأثير على حصة الفرد والاستهلاك الوطني .
بالمحصلة، أي تصور أردني مستقبلي للذكاء الاصطناعي السيادي يجب أن يجمع في وثيقة واحدة تلتقي فيها استراتيجية البيانات، واستراتيجية الطاقة، واستراتيجية المياه.
ولا مانع من المباشرة بمشروع تجريبي بسيط عبر اختيار أو تحديد قطاع سيادي أو مجموعة بيانات عالية الحساسية، واحتساب القدرة اللازمة لمعالجتها، ثم كمية الكهرباء والمياه وكلفة التبريد والحماية المطلوبة، ومن نتائج المشروع يمكن معرفة الحجم الحقيقي للبنية التحتية السيادية التي يحتاجها الأردن.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى