من الإعلام إلى السينما .. ومن صناعة القرار إلى صناعة الوعي .. الريحاني يطلق « عندما تُقاتِل الكاميرا »

التاج الإخباري -

بعد النجاح اللافت الذي حققه كتابه الأول *الإعلام الرقمي والقرار الدبلوماسي*، يعود خبير الإعلام الرقمي رمزي موسى الريحاني بإصدار جديد يواصل من خلاله مشروعه الفكري في دراسة العلاقة بين الإعلام وصناعة الوعي، لكن هذه المرة من بوابة السينما العسكرية.

يحمل الكتاب الجديد عنوان عندما تُقاتِل الكاميرا، وهو عنوان يطرح منذ الوهلة الأولى سؤالاً يتجاوز حدود الفن السينمائي: هل يمكن أن تكون الكاميرا جزءاً من المعركة، لا مجرد شاهد عليها؟

*من الشاشة إلى ساحة المعركة*

ينطلق الريحاني من فكرة أن الفيلم العسكري لا يمكن قراءته باعتباره مشاهد للمعارك والأسلحة والجنود فقط. فالصورة السينمائية تعيد ترتيب الواقع أمام المشاهد، وتختار زاوية النظر، وتحدد ما يظهر وما يبقى خارج الإطار، وتمنح الأحداث إيقاعها ومعناها.

ومن هنا، يتعامل الكتاب مع السينما العسكرية باعتبارها مساحة تتقاطع فيها الفنون مع التاريخ والإعلام والاستراتيجية.

فالجندي الذي يظهر على الشاشة ليس مجرد شخصية درامية، والمعركة ليست مجرد مشهد أكشن، والزي العسكري والموقع والسلاح والموسيقى وحتى طريقة التصوير يمكن أن تحمل دلالات تتجاوز القصة نفسها.

*عندما تصبح الصورة جزءاً من الحرب*

يبحث الكتاب في واحدة من أكثر المناطق حساسية في صناعة الأفلام العسكرية، وهي العلاقة بين المؤسسة العسكرية وصناعة السينما.

فإنتاج فيلم يتناول العمليات العسكرية أو الجيوش يختلف عن إنتاج أي عمل درامي آخر. هناك مواقع عسكرية، معدات، مركبات، أسلحة، إجراءات أمن وسلامة، استشارات عسكرية، ومتطلبات إنتاجية تجعل المنتج أمام معادلة دقيقة: كيف يقدم الواقعية العسكرية من دون أن يفقد الفيلم لغته السينمائية؟

ومن خلال هذه الزاوية، يقدم الريحاني قراءة تجمع بين المعرفة السينمائية والخبرة الإنتاجية، محاولاً الاقتراب من الكواليس التي لا يراها المشاهد عندما يجلس أمام الشاشة.

*الحرب لا تنتهي دائماً بانتهاء المعركة*

ربما تكمن إحدى أهم أفكار الكتاب في أن الحرب لا تنتهي بالضرورة عندما تصمت البنادق.

فبعد انتهاء المعركة تبدأ معركة أخرى: معركة الرواية والذاكرة والصورة.

الأفلام التي تتناول الحروب تستطيع أن تؤثر في الطريقة التي تتذكر بها الأجيال أحداثاً لم تعشها. وقد تصبح بعض المشاهد السينمائية، مع مرور الزمن، جزءاً من الذاكرة الجماعية، حتى وإن لم تكن تلك المشاهد تسجيلاً وثائقياً للحدث.

وهنا يضع الكتاب الكاميرا أمام سؤال مختلف: من يملك حق رواية الحرب؟

*امتداد لمشروع فكري بدأ بالإعلام*

ولا يبدو كتاب عندما تُقاتِل الكاميرا مشروعاً منفصلاً عن كتاب الإعلام الرقمي والقرار الدبلوماسي للريحاني

ففي كتابه الأول، تناول الريحاني العلاقة بين الإعلام الرقمي وصناعة القرار وطرح مفهوم السيادة الإدراكية، بينما ينتقل في كتابه الثاني إلى وسيلة أخرى من وسائل تشكيل الإدراك: الصورة السينمائية.

وبذلك يبدو الانتقال من الإعلام إلى السينما انتقالاً طبيعياً داخل مشروع يهتم بالسؤال الأكبر: كيف تُصنع الصورة في عقل الإنسان، وكيف يمكن للإعلام أن يتجاوز نقل الحدث إلى تشكيل طريقة فهمه؟

*الكاميرا التي لا تكتفي بالتسجيل*

كتاب عندما تُقاتِل الكاميرا لا يقدم الحرب باعتبارها مجموعة من المعارك فقط، بل يحاول النظر إليها من خلف العدسة: من يختار اللقطة؟ من يحدد زاوية الرؤية؟ كيف تُبنى صورة البطل والعدو؟ وما الذي يحدث عندما تنتقل الحرب من أرض الواقع إلى شاشة السينما؟

تلك الأسئلة تجعل الكتاب أقرب إلى محاولة لفهم القوة الناعمة للصورة ودورها في صناعة الوعي والذاكرة، وليس مجرد سرد لتاريخ الأفلام العسكرية.

وبين الكتاب الأول والثاني، يواصل رمزي الريحاني مشروعه من منطقة واحدة وإن اختلفت الأدوات: الإعلام، الصورة، القرار، والوعي.

فإذا كان الكتاب الأول قد سأل عن تأثير الإعلام في صناعة القرار، فإن الكتاب الثاني يذهب خطوة أخرى ليسأل: ماذا يحدث عندما تدخل الكاميرا إلى ساحة المعركة؟

وربما تكون الإجابة التي يتركها الكتاب للقارئ أن أخطر ما في الكاميرا ليس ما تسجله فقط، بل ما تجعلنا نراه، وما تجعلنا نصدقه، وما تجعلنا نتذكره.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى