ارتفاع حرارة وجفاف .. خريطة الأردن المناخية تتغير
التاج الإخباري -
حرارة أشد، وأيام حارة أطول، وأمطار "أكثر اضطراباً"، وفترات جفاف تضغط على مورد مائي "محدود أصلاً"، تلك هي الملامح التي ترسمها التوقعات المُناخية للأردن خلال العقود المقبلة، في صورة لا تتوقف عند ارتفاع درجات الحرارة، بل تمتد آثارها الى المياه، والزراعة، والتبخر، والرطوبة، والجريان السطحي.واللافت بالنتائج أن "الخطر" لا يرتبط بكثرة الأيام التي ستتجاوز فيها الحرارة 40 درجة مئوية مستقبلا، فكل ارتفاع في الحرارة يسرع فقدان المياه بالتبخر، وكل امتداد للفترات الجافة يبقي التربة وقتاً أطول بلا تغذية مطرية، فيما قد تأتي الأمطار على نحو أكثر تركزاً، فتهطل كميات أكبر خلال يوم وحد، وتتحول سريعاً الى جريان وسيول.
ولا ترسم "ورقة معلومات قُطرية عن الأردن" مستقبلاً مناخياً "موحداً" للمملكة، إذ تختلف طبيعة "الخطر وحدته" بحسب الموقع، ويبرز وادي الأردن والصحراء الجنوبية في خريطة الحرارة الشديدة، والبادية الشمالية في توقعات الأمطار اليومية الغزيرة.
فيما تسجل المرتفعات الغربية والشمالية الكميات الأعلى من الأمطار، والجريان السطحي، وأما الهضبة الشرقية والمناطق الصحراوية فتظهر بطابعها "الأكثر جفافاً"، بينما تحتل منطقة البحر الميت "موقعاً خاصاً" فيما يتعلق بالحرارة والتبخر، وفقدان المياه.
وأظهرت النتائج، الصادرة عن مبادرة ريكار التابعة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية (الاسكوا) أول من أمس، أن متوسط عدد الأيام التي ستتجاوز فيها درجة الحرارة 40 درجة مئوية نحو 20 يوماً سنوياً على المستوى المحلي، الا أن هذا المعدل يرتفع بصورة كبيرة في بعض المناطق المنخفضة، بحيث يتجاوز 70 يوماً في السنة.
وتقدم الورقة قراءة لمناخ الأردن الحالي والمستقبلي عبر مقارنة الفترة المرجعية 1995-2014 بفترتين مستقبليتين، الأولى 2021 - 2040، والثانية 2041-2060 باستخدام سيناريوهين مختلفين للانبعاثات هما (SSP2-4.5) و(SSP5-8.5).
ويعني السيناريو الأول، بصورة مبسطة، مساراً تكون فيه الانبعاثات المستقبلية أقل من السيناريو الثاني، فيما يفترض الثاني مستوى أعلى من الانبعاثات، ولذلك تكون آثار الاحترار فيه أكبر بكثير.
وتشير الورقة لـ"زيادة محدودة" بكمية الأمطار التي قد تهطل خلال أشد الأيام مطراً، ففي الجزء الغربي من المملكة تتراوح الزيادة المتوقعة في الاجل القريب بين 0.3 و0.4 ملم، فيما تصل في الوسط الى نحو 1.1 ملم في كلا سيناريوهي الانبعاثات.
وتبرز بعض مناطق البادية الشمالية بصورة "أوضح"، إذ تشير التوقعات الى أن كمية المطر المسجلة خلال اليوم الأشد هطولاً قد ترتفع فيها بأكثر من 25 %.
ولذلك، وبحسب النتائج، فإن الجفاف والأمطار الغزيرة ليسا "نقيضين" بالضرورة، فقد تمضي فترة أطول بلا مطر، تم تهطل كمية كبيرة خلال وقت قصير، وهو ما يعني أن زيادة شدة الهطول لا تساوي بالضرورة "تحسنا" في وفرة المياه.
ويأخذ الجفاف مساحة أساسية في النتائج عبر "مؤشر الأيام الجافة المتتالية"، أي أطول فترة تستمر من دون هطول مطري يذكر.
ويصل متوسط تلك الفترة في الأردن، وفق الفترة المرجعية التي تعتمدها الورقة الى نحو 121 يوماً في السنة، ما يعكس طول الموسم الجاف أصلاً، فيما تظهر التوقعات إمكانية زيادة هذه الفترات في أجزاء من المملكة، وتحت بعض السيناريوهات.
ولا تقف دلالة الرقم عند عدد الأيام التي تغيب فيها الأمطار، لأن استمرار الجفاف فترة أطول يتزامن مع حرارة أعلى وفقدان متواصل للمياه عبر التبخر، ما يجعل قراءة الجفاف "منفصلاً" عن الحرارة "غير كافية" لفهم حجم الضغط على الموارد.
وتخص الورقة منطقة البحر الميت باهتمام واضح، باعتبارها "بؤرة للتبخر" بفعل الحرارة والملوحة، وتشير الى أن الزيادة المحتملة في التبخر قد "تفاقم" فقدان المياه"، و"تسرع" الانخفاض المستمر في مستوى مياه البحر الميت، بما يحمله ذلك من آثار على الأنظمة البيئية، والبنية التحتية الساحلية.
وتلفت الورقة الى أن كمية الأمطار "وحدها لا تكفي" لمعرفة حجم المياه التي يمكن الاستفادة منها، لأن مياه المطر لا تبقى "كلها متاحة" بعد هطولها، فجزء منها يفقد بالتبخر، والأخر يتسرب الى باطن الأرض، بينما يجري جزء أخر فوق سطح الأرض باتجاه الأودية، والمجاري والخزانات.
وتطلق الورقة على المياه التي تتحرك فوق سطح الأرض اسم "الجريان السطحي" أي ببساطة مياه الأمطار التي تنساب بعد هطولها نحو الأودية، والمناطق المنخفضة والخزانات.
وتختلف كمية هذه المياه من منطقة الى أخرى في المملكة، فالمرتفعات الغربية الي تستقبل أمطاراً أكثر تسجل جرياناً سطحياً أعلى مقارنة بالهضبة الشرقية "الأكثر جفافاً".
ويبلغ متوسط الجريان السطحي خلال الموسم المطري نحو 1.2 ملم شهرياً على مستوى المملكة في الفترة المرجعية، بينما يرتفع الى أكثر من 4 ملم شهرياً في المرتفعات الغربية.
أما مستقبلاً، فتشير التوقعات الى تغييرات محدودة خلال الفترة القريبة، قبل أن يظهر انخفاض في كمية المياه الجارية فوق سطح الأرض في الجزء المتوسط من المملكة خلال الفترة اللاحقة.
غير أن تراجع متوسط الجريان السطحي لا يعني تراجع خطر السيول، فقط تنخفض كمية المياه الجارية على امتداد الموسم، ثم تهطل أمطاراً غزيرة خلال ساعات أو يوم واحد، فتنتج كميات كبيرة ومفاجئة من المياه وتزداد احتمالات السيول.
ولكن النتائج تحذر من أن انخفاض كمية المياه التي تجري فوق سطح الأرض خلال الموسم لا يعني بالضرورة تراجع "خطر السيول"، فقد تكون كميات الجريان أقل في المجمل، لكن هطول أمطار غزيرة هلال فترة قصيرة، يمكن أن يؤدي الى تدفق سريع ومفاجئ للمياه، ولا سيما في المرتفعات الغربية، ما يبقي احتمال حدوث السيول "قائماً".
وتقود نتائج الورقة الى مسألة أساسية تتعلق بكيفية الحفاظ على المياه وإدارتها مع تغير المناخ، فالمشكلة لا تقتصر على انخفاض كميات الامطار، بل تشمل أيضاً ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة التبخر، وتغير كمية المياه، التي تصل الى الأودية والخزانات بعد هطول المطر. الغد
الرجاء الانتظار ...