طهبوب تكتب: "سقى الله أيام زمان؟"
التاج الإخباري -
بقلم: د.ديمة طهبوبالنوستالجيا أو الحنين إلى الماضي نزعة قديمة وجزء من تطور الذاكرة البشرية، وكثيرا ما خلدها شعراؤنا في أجمل القصائد مثل قصيدة جادك الغيث ومطلعها:
جادك الغيث إذا الغيث همى
يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما
في الكرى أو خلسة المختلس
وأرى في الحديث النبوي قبل ذلك تنبيها إلى اغتنام الأيام قبل تغيرها واستثمار الفراغ قبل الانشغال والصحة قبل السقم والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم والحياة قبل الموت لأن الدنيا طبعت على ذلك ما بين انبساط وانقباض فسبحان من أضحك وأبكى وأمات وأحيا
وطبيعة الأيام التغير في أنفسنا ومن حولنا، وقد نبه الصالحون لذلك فقالوا: إن الأيام تفعل فعلها فيك فانظر ما أنت فاعل فيها
فليس السؤال ماذا فعلت بنا الأيام؟ بل ماذا فعلنا نحن بما أعطتنا الأيام؟ فالعمر ليس مجرد سنوات تمر وإنما تجارب تهذبنا ومواقف تعلمنا
غير أن الحنين في أيامنا هذه مربوط بالنقصان وأن ما سبق كان أفضل وأن التقدم لم يأتِ بالخير الذي نرجوه مع أن المعظم يسير في ركابه ويطبقه أحيانا كالمسلوبة إرادته
وأنا أرى هذه "الترندات" المقارنة بين ما كنا عليه وما صرنا إليه تظل قناعتي أن الأصيل لا تغيره الأيام ولا تزيده الأحداث إلا خيرا، كعودٍ زاده الإحراق طيبا، ولا يراه الناس إلا وقد زاد فضلا ونبلا في كل مرحلة جديدة
فلو لم تمر الأيام لما تزوجت وأصبحت أما، وهذه عندي بالدنيا، ولو لم تعركني الدنيا لما خبرت الناس، فازددت من الأطهار وفارقت الخبثاء، ولو لم تمر الأيام لما أدركت معنى الجبر بعد المصيبة، والوقوف بعد السقوط، والتسامي على الأذى والمؤذين وما دام الله هو المدبر ففي كل عمر رزق وفي كل مرحلة جمالها
في الأيام والمراحل كلها سواء كانت تسريحة شعرك كالصقر أو بدأ شعرك بالتساقط، أو غزاه الشيب كن حريصا أن يبقى القلب شابا بالإيمان والهمة يافعة بالأعمال الصالحة والحياة ملونة بالصحبة الطيبة وليس بالملابس والسترات
فليست الخسارة أن تتغير ملامحنا مع الزمن فتلك سنة الحياة وإنما الخسارة أن تشيخ أرواحنا قبل أجسادنا وأن تخبو هممنا وأن نفقد قدرتنا على الفرح والعطاء
وصدق الشاعر:
ما شاب حزمي ولا عزمي ولا ديني ولا إيماني ولا كرمي
ولكن اعتاض شعري شيئا غير صبغته
والشيب في الشعر غير الشيب في الهمم
فمرحبا بكل عمر يأتينا ونحن أكثر إيمانا وأعمق فهما وأقل انخداعا وأكثر تصالحا مع أنفسنا والحياة ومرحبا بالأيام إن أخذت من الملامح شيئا وتركت في الروح حكمة وإن أطفأت سواد الشعر وأبقت في القلب نورا
فالعبرة في النهاية ليست كم مر علينا من العمر بل كم مررنا نحن على العمر وتركنا فيه
وكن رجلا اذا أتوا من بعده
يقولون مر وهذا الأثر …
الرجاء الانتظار ...