القضاه تكتب: ترند الثمانينات ونوستالجيا الهوية
التاج الإخباري -
بقلم ميس القضاهلم تعد الثمانينات مجرد عقدٍ مضى وانتهى، في السنوات الأخيرة، عادت هذه الحقبة إلى الواجهة بصورة لافتة؛ في الملابس، والموسيقى، والتصوير، وتصميم الأماكن، وطريقة تقديم المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي. نرى صورًا حديثة تُصنع بروح الثمانينات، وأجيالًا لم تعش تلك السنوات تستعيد رموزها وكأنها جزء من ذاكرتها الشخصية. للوهلة الأولى قد يبدو الأمر موجة من الموضة القديمة أو رغبة في استعادة الـRetro، لكن انتشار الظاهرة واستمرارها يلمّحان إلى شيء أعمق من مجرد ذوق بصري، فربما لا تعود الثمانينات لأنها جميلة فقط، وإنما لأنها أصبحت رمزاً لزمن تبدو فيه الحياة، في الذاكرة، أكثر وضوحاً وتماسكاً.
النوستالجيا في معناها التقليدي هي الحنين إلى الماضي، لكن الحنين الإنساني أكثر تعقيداً من أن يكون اشتياقاً إلى تاريخ محدد، نحن نشتاق غالباً إلى ما كان يمثله ذلك الزمن في حياتنا: إلى الأشخاص الذين كانوا حولنا، إلى البيت، إلى المدرسة، إلى الأصدقاء، إلى أصوات معينة كانت تملأ المكان، وإلى إحساس داخلي بالأمان والانتماء. ولهذا فإن استعادة الثمانينات اليوم لا تعني بالضرورة الرغبة في العودة إلى الحياة التي كانت عليها فعلاً، بكل ما فيها من محدودية وغياب للتكنولوجيا وسرعة الاتصال، وإنما قد تعني استعادة صورة ذهنية لزمن كانت عناصره الثقافية أكثر وضوحاً، وكانت الذاكرة الجماعية أكثر قدرة على جمع الناس حول رموز مشتركة.
وهنا تظهر فكرة نوستالجيا الهوية، فالإنسان لا يبحث في الماضي عن الزمن فقط، وإنما يبحث عن نفسه داخله، يبحث عن النسخة التي كان يعرفها من ذاته، وعن الجماعة التي شعر أنه ينتمي إليها، وعن الرموز التي كانت تمنحه إحساساً بأنه جزء من قصة أكبر من فرديته، في الماضي، كانت الهوية الثقافية تُبنى إلى حد كبير داخل دوائر اجتماعية محددة: الأسرة، الحي، المدرسة، الأصدقاء، التلفزيون، الأغنية، والطقوس الاجتماعية. وكانت هذه الدوائر تمنح الفرد مجموعة من المرجعيات المشتركة التي يتعرف من خلالها إلى نفسه وإلى الآخرين.
أما اليوم، فقد أصبحت الهوية تُبنى في مساحة أكثر اتساعاً وأقل استقراراً، فالأجيال الجديد لا يعيش داخل ثقافة واحدة مغلقة، بل داخل تدفق هائل من الثقافات والصور والأفكار، الهاتف الذكي يضع العالم كله أمامه في اللحظة نفسها، والمنصات الرقمية لا تقدم له فقط ما ينتمي إلى بيئته، وإنما تعرّفه باستمرار إلى أنماط حياة ولغات وموسيقى وأزياء وقيم ورموز قادمة من أماكن بعيدة، هذه الوفرة تمنح الإنسان مساحة غير مسبوقة للاختيار والتعبير، لكنها في الوقت نفسه تجعل عملية بناء الهوية أكثر تعقيداً؛ فبدل أن يرث الفرد مجموعة واضحة من الرموز والانتماءات، أصبح أمامه آلاف الخيارات التي يستطيع أن يختار منها، ويعيد تركيبها، ويعرضها، ثم يغيرها.
من هنا يمكن فهم جاذبية الماضي بطريقة مختلفة، عندما تصبح الهوية شديدة السيولة، يصبح الزمن الذي تبدو فيه الهوية أكثر ثباتاً مغرياً، وعندما تصبح الحياة اليومية ممتلئة بالصور والمعلومات والاتجاهات المتغيرة، تصبح الذاكرة الجماعية مساحة للراحة. الثمانينات، في هذه الحالة، ليست بالضرورة الثمانينات التاريخية بكل تفاصيلها، وإنما الثمانينات التي أعادت الذاكرة والثقافة الشعبية بناءها؛ صورة لزمن له ألوانه وأصواته وأزياؤه ورموزه الواضحة، ويمكن اختزاله في صورة واحدة أو أغنية واحدة أو مشهد واحد.
واللافت أن هذه النوستالجيا لم تعد حكرا ًعلى من عاشوا تلك الفترة، فالسوشيال ميديا صنعت نوعا ً جديداً من الحنين يمكن تسميته بالحنين غير المعاش؛ أي أن الإنسان يستطيع أن يشعر بالانتماء إلى زمن لم يختبره شخصياً، يشاهد صور والديه في شبابهم، يسمع الأغاني القديمة، يرى الأفلام والمسلسلات، ويتعرف إلى تفاصيل الحياة اليومية في تلك المرحلة، ثم يبني منها تصوراً عاطفياً عن زمن لم يكن موجوداً فيه أصلاً. وهكذا تنتقل النوستالجيا من كونها ذاكرة شخصية إلى كونها ذاكرة ثقافية مشتركة قابلة لإعادة الإنتاج.
وهذا تحديدًا ما يجعل ترند الثمانينات أكثر أهمية من كونه ظاهرة في الموضة، فهو يكشف عن علاقتنا المتغيرة بالذاكرة والهوية، نحن نعيش في زمن أصبحت فيه الصورة قادرة على إعادة تشكيل الماضي، وأصبحت التكنولوجيا قادرة على إنتاج نسخة جديدة منه خلال ثوانٍ. يمكن لشخص أن يصنع صورة لنفسه اليوم وكأنه ينتمي إلى عقد لم يعشه، لا ليكذب على الزمن، وإنما ليجرب هوية رمزية مختلفة. الماضي هنا لا يعود بوصفه حقيقة تاريخية، وإنما بوصفه مساحة تخيلية يستطيع الحاضر أن يستعير منها ما يحتاج إليه.
وقد يكون ما نشتاق إليه في هذه العودة ليس غياب التكنولوجيا، ولا تفاصيل الملابس القديمة، ولا حتى الموسيقى بحد ذاتها، وإنما الإحساس الذي ارتبط بها، الإحساس بأن هناك زمناً يمكن التعرف إليه من ملامحه، وأن هناك أشياء يتشاركها الناس دون الحاجة إلى خوارزمية تجمعهم حولها، في عالم أصبحت فيه العلاقات أكثر سرعة، والانتماءات أكثر تعدداً، والهوية الرقمية قابلة للتعديل باستمرار، يبدو الماضي أحيانًا أكثر ثباتًا مما كان عليه في الحقيقة.
لكن علينا أن ننتبه إلى أن الذاكرة ليست كاميرا محايدة، نحن لا نستعيد الماضي كما كان، بل كما نحتاج أن نتذكره. ولذلك فإن صورة الثمانينات التي تنتشر اليوم قد تكون انتقائية ومجمّلة، تركز على الألوان والموسيقى والدفء الاجتماعي، وتتجاهل جوانب أخرى من ذلك الزمن. وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها؛ فالنوستالجيا بطبيعتها تعيد تشكيل الماضي بما يخدم حاجة الحاضر، المهم أن نفهم أن الحنين ليس دائمًا رغبة في استعادة الماضي، بل قد يكون طريقة لفهم الحاضر.
لذلك، ربما يكون ترند الثمانينات واحداً من التعبيرات الثقافية عن حاجة الإنسان المعاصر إلى المعنى والانتماء والاستمرارية، فكلما أصبح العالم أكثر انفتاحاً، أصبحت الحاجة إلى الجذور أكثر حضوراً، وكلما أصبحت الهوية أكثر تعدداً، ازداد البحث عن رموز تمنحها شيئاً من التماسك، ولهذا فإن العودة إلى الثمانينات قد لا تكون عودة إلى الوراء بقدر ما هي محاولة لفهم ما الذي نفتقده في الأمام.
في النهاية، نحن لا نشتاق بالضرورة إلى الثمانينات نفسها، قد نشتاق إلى زمن كانت فيه الأشياء تبدو أقل ازدحاماً، والذاكرة أكثر جماعية، والانتماء أكثر حضوراً، وصورة الإنسان عن نفسه أقل تعرضًا للتغيير المستمر. وربما لهذا السبب يستطيع جيل جديد أن يرتدي أزياء الثمانينات، ويستمع إلى موسيقاها، ويعيد إنتاج صورها، حتى وهو لم يعش يومًا واحدًا منها.
فالنوستالجيا الأعمق ليست حنيناً إلى زمن مضى، وإنما حنين إلى هوية نشعر أن الزمن الحديث جعلها أكثر تشتتًا. ومن هنا، قد لا يكون ترند الثمانينات بحثًا عن الماضي بقدر ما يكون بحثاً عن الذات
الرجاء الانتظار ...