بين التحليل والرواية .. متى تتحول التكهنات إلى معلومات؟
التاج الإخباري -
همام الفريحات.في الأزمات العسكرية والأمنية، لا تكمن خطورة المعلومات الخاطئة دائماً في كونها مختلقة بالكامل، بل أحياناً في الطريقة التي يتم فيها تقديمها.
فقد تبدأ الرواية بمعلومة صحيحة، ثم تضاف إليها استنتاجات وافتراضات، قبل أن تتحول في النهاية إلى قصة متكاملة تبدو وكأنها تستند إلى معلومات مؤكدة.
وهنا يصبح التفريق بين المعلومة والتحليل والاحتمال مسألة أساسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني والعلاقات العسكرية. فالمحلل من حقه أن يفسر ويقدّر ويرجح، لكن من واجبه أيضاً أن يوضح للمشاهد أين تنتهي المعلومات التي يملكها وأين يبدأ تحليله الشخصي.
المشكلة تظهر بصورة أكبر عندما تتضمن الرواية ادعاءات تتعلق بمصادر استخبارية أو اختراقات أمنية أو تسريب معلومات من داخل مؤسسات رسمية ، هذه ليست تفاصيل عادية يمكن تمريرها ضمن سياق التحليل، لأنها ادعاءات تحتاج إلى أدلة مستقلة، وليس فقط إلى تقديمها بثقة أو إسنادها إلى خبرة المتحدث العسكرية.
ومن هنا يمكن فهم الجدل الذي أثارته مؤخراً تصريحات الفريق الركن عبد الكريم خلف، الذي ظهر في أكثر من مناسبة للحديث عن ملفات عسكرية وأمنية في المنطقة، وقدم في إحدى إطلالاته الأخيرة رواية تضمنت تفاصيل تتجاوز التقدير العسكري إلى الحديث عن معلومات ومصادر وطرق وصولها إلى جهات خارجية.
المشكلة في هذا النوع من الطرح ليست أن خلف قد يخطئ في تقديره؛ فالخطأ في التحليل أمر وارد حتى لدى أكثر الخبراء خبرة. الإشكالية الحقيقية هي عندما تُقدَّم الاستنتاجات بصيغة توحي بأنها معلومات استخبارية مؤكدة، من دون أن يكون أمام المتلقي ما يسمح له بالتحقق منها أو حتى معرفة درجة موثوقيتها.
فإذا قيل إن جهة ما حصلت على معلومات من مصدر عسكري داخل دولة معينة، فإن السؤال الطبيعي ليس: من قال ذلك؟ بل ما الدليل عليه؟ وهل توجد مؤشرات مستقلة تؤيده؟ أم أن الأمر مجرد تفسير محتمل لما حدث؟
الخبرة العسكرية لا تعني امتلاك معلومات سرية عن كل ما يجري، كما أن استخدام المصطلحات العسكرية أو الحديث بثقة لا يحول الاحتمال إلى حقيقة. بل إن المحلل المهني يفترض أن يكون أكثر وضوحاً في استخدام عبارات مثل " يُرجح " ، " قد يكون " ، " وفق المعطيات المتاحة " ، عندما لا تكون لديه معلومات مؤكدة.
وهناك نقطة أخرى لا تقل أهمية؛ وهي أن الوصول إلى معلومات عسكرية من المصادر المفتوحة لا يعني بالضرورة وجود اختراق أمني. ففي الوقت الحالي، يمكن للصور والمنشورات العامة وحسابات العسكريين ووسائل الإعلام أن توفر كماً كبيراً من المعلومات، ويمكن تحليلها وربطها للخروج باستنتاجات دقيقة أحياناً وخاطئة أحياناً أخرى. لذلك فإن معرفة معلومة أو استنتاج تحرك عسكري لا يشكل بحد ذاته دليلاً على وجود مصدر بشري داخل مؤسسة عسكرية.
كما أن بناء رواية كاملة من مجموعة افتراضات متتابعة قد يعطيها مظهراً مقنعاً، رغم أن كل حلقة فيها تعتمد على الحلقة التي سبقتها. تبدأ بفرضية، ثم تُبنى عليها فرضية ثانية، ثم ثالثة، وفي النهاية تظهر النتيجة وكأنها حقيقة مستقلة، بينما هي في الواقع نتاج سلسلة من الافتراضات.
لهذا، فإن التعامل مع مثل هذه الطروحات لا يحتاج إلى الدخول في سجال شخصي أو إلى إصدار رواية مضادة لكل ما يقال. يكفي إخضاعها للقواعد البسيطة لأي تحليل مهني: ما الذي نعرفه؟ ما الذي نستنتجه؟ وما الذي لا يتجاوز كونه احتمالاً؟
وفي زمن تنتشر فيه المقاطع خلال دقائق، تصبح هذه المسؤولية أكبر. فتصريح واحد قد يتحول إلى مئات المنشورات، ثم يعاد تداوله باعتباره "معلومة" رغم أنه بدأ أصلاً كتقدير أو رواية غير موثقة.
وفي النهاية، لا توجد مشكلة في أن يختلف المحللون في تقديراتهم، ولا في أن يخطئ أحدهم في قراءة حدث معين. المشكلة تبدأ عندما تختفي الحدود بين الرأي والمعلومة، وبين التحليل والتكهن.
فالخبرة تمنح صاحبها حق التحليل، لكنها لا تمنح روايته حصانة من السؤال الأهم: أين الدليل؟
الرجاء الانتظار ...