مشاقبة: استمرار الحرب لمصلحة مَنْ؟!

التاج الإخباري -

بقلم: أ.د. أمين مشاقبة

لا يزال التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران هو سيد الموقف والسائد؛ لانعدام الثقة بين الطرفين، ولوجود طرف ثالث يدفع لعدم الوصول إلى اتفاق. وأصدر الرئيس ترامب تهديداً جديداً بضرب إيران بألف صاروخ يتم تدميرها تدميراً شاملاً، وفي الوقت نفسه جاء في خطاب مجتبى خامنئي نبرة الثأر والانتقام لمقتل والده والقادة الدينيين والعسكريين في بداية الحرب، وتخرج إسرائيل (الموساد) علينا بأنها كشفت خطة لاغتيال الرئيس ترامب، مما دفعه إلى تبديل الطائرة التي جاء بها إلى أنقرة لحضور قمة الناتو، بالعودة بالطائرة الرئاسية من مطار عسكري في بريطانيا، وهكذا، فإسرائيل تدفع باتجاه تأجيج الموقف وعدم الوصول إلى أي اتفاق، وإبقاء حالة الحرب قائمة للعديد من الأسباب؛ أسباب لها علاقة بالانتخابات البرلمانية القادمة، وأسباب تتعلق بإبقاء المنطقة غير مستقرة والسعي لإنهاء النظام الإيراني، وأسباب عديدة تتعلق بالمشروع الصهيوني الهادف للسيطرة على الشرق الأوسط، وتنصيب الشرطي الدائم والمسؤول عن حركة الأنظمة وتثبيت سياسات ذات طابع توراتي لخدمة المشروع أعلاه، وهو في النهاية الدولة العالمية الموحدة بقيادة الحركة الصهيونية.
وهناك سؤال ذو أهمية:استمرار الحرب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط يخدم مصالح مَنْ؟ هل هو لخدمة الولايات المتحدة أم إسرائيل أم أنهما وجهان لعملة واحدة؟! في السياق التاريخي كانت المنطقة تُسمى المنطقة الرمادية أو الهامشية، وهي منطقة نفوذ لكل من القطبين آنذاك: الاتحاد السوفيتي والغرب بقيادة أمريكا. وبعد سقوط الأول تُركت الساحة مفتوحة على مصراعيها منذ العام 2001 للهيمنة الأمريكية، ففعلت ما فعلت في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا والسودان وحتى الصومال. واليوم بقيت ورقة واحدة لديها، وهي إسقاط النظام الإيراني خدمة للمشروع الكبير ضمن إطار التحولات في العلاقات الدولية، وخصوصاً في العلاقة الأمريكية - الصينية.

هذا وتقوم السياسة الأمريكية في المنطقة على عدة ثوابت. أولها بقاء واستقرار وأمن دولة الكيان، وهذا جلي وواضح؛ فقدمت الولايات المتحدة 21 ملياراً دعماً وأسلحة في الحرب الأخيرة، وتدافع بكامل قوتها ومن خلال قواعدها المنتشرة في المنطقة عن هذا الثابت، ولا تزال وستبقى في المسار نفسه. والثابت الثاني تدفق النفط والغاز (الطاقة) لها وللغرب، واستمرار سيطرة الأخوات السبع (شركات النفط) على الإنتاج والاحتياطي الموجود الذي يصل إلى 65% من الاحتياطي العالمي. والثابت الثالث هو بقاء قنوات وأدوات التجارة مفتوحة؛ لأن المنطقة سوق كبير، خصوصاً لشركات الأسلحة والطيران والذخائر، وتنفق المليارات على التسلح. وثابت متغير جديد هو الهيمنة على المنطقة في مواجهة التمدد الصيني، ويمكن إضافة استمرار المنافذ البحرية مفتوحة كما هو الأمر في مضيق هرمز وبالنتيجة، فإن حالة عدم الاستقرار واستمرار الحروب هي لخدمة إسرائيل وليس العرب، ولا حتى الولايات المتحدة نفسها.

إن ما تركته هذه الحرب هو حالة من الدمار للشرق الأوسط برمته؛ لأن كل القطاعات قد تأثرت، وأُضعفت مستويات النمو الاقتصادي، وزادت أسعار الطاقة، وأُضعفت سلاسل التوريد، إلى غير ذلك. فالدول العربية مجتمعة يجب أن تدفع باتجاه الاستقرار، ووقف هذا النزيف، وإنهاء هذه الحرب؛ لأنها بالأساس مصلحة عربية خالصة وخدمة لشعوبها.

إن الخاسر الأكبر في استمرار هذا الصراع هو دول الخليج العربي، وخصوصاً بعدما تعرض العديد من المواقع والمطارات والقواعد لضربات إيرانية. ونرى اليوم، بعد فشل جولة المفاوضات في مسقط، إعلان إيران إغلاق المضيق، مما يدفع نحو تصعيد جديد ستطال آثاره المنطقة برمتها. ومن هنا، على الجميع التحرك للضغط على الطرفين لتنفيذ مذكرة التفاهم، فالصمت والتفرج على ما يجري لا يصبان في مصالح أحد والمستفيد الأول والأخير هو الولايات المتحدة وإسرائيل.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى