الأردن لم يخسر في المونديال .. بل ربح ما هو أكبر
التاج الإخباري -
بقلم: وفاء صبيح.في كرة القدم، اعتادت الجماهير على قياس النجاحات بعدد النقاط والانتصارات، وأن تربط الإنجازات بالوصول إلى الأدوار المتقدمة أو اعتلاء منصات التتويج، لكن بعض المشاركات تحمل معاني أعمق من النتائج وتترك أثراً يتجاوز حدود الملعب، وهذا ما يمكن قوله عن مشاركة المنتخب الوطني الأردني "النشامى" في كأس العالم 2026.
فمع إسدال الستار على مشوار "النشامى" في البطولة، جاءت رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني لتضع المشاركة في إطارها الحقيقي، حين أكد جلالته أن لاعبي المنتخب "مثلوا وجهاً كريماً للأردن وأسّسوا لنجاحات مقبلة نتطلع إليها"، وفي هذه الكلمات ما يكفي لاختصار قصة كاملة؛ فالأردن لم يكن يخوض مجرد مباريات لكرة القدم، بل كان يقدم نفسه للعالم من خلال شبابه وقيمه وأخلاقه وصورته الحضارية.
وللمرة الأولى في تاريخه، وجد الأردن نفسه بين كبار العالم في أهم حدث كروي على الإطلاق، ورغم صعوبة المنافسة وقوة المنتخبات التي واجهها، فإن المنتخب الوطني نجح في تحقيق أمر لا يقل أهمية عن النتائج، وهو ترسيخ صورة إيجابية عن الأردن والأردنيين أمام ملايين المتابعين حول العالم.
إذ لم يكن المشهد مقتصراً على اللاعبين داخل المستطيل الأخضر، بل امتد إلى المدرجات والشوارع والساحات التي تواجد فيها الأردنيون، فمن يتابع أجواء البطولة يدرك أن الحضور الأردني كان لافتاً، سواء من خلال الجماهير التي ساندت منتخبها بشغف، أو من خلال الروح الرياضية التي أظهرتها في مختلف المناسبات، لقد كانت الجماهير شريكاً حقيقياً في هذا الإنجاز المعنوي، وأسهمت في نقل صورة مشرقة عن المجتمع الأردني وقيمه.
ومن هنا يمكن فهم كلمات الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، عندما قال إن الأردن لم يخسر شيئاً، بل كسب احترام العالم بأخلاق النشامى، فالمشاركة لم تكن مجرد منافسة رياضية، بل كانت فرصة لإبراز هوية وطنية متجذرة تقوم على الاحترام والانتماء والتكاتف، وقد تجلى ذلك في المشاهد التي أظهرت الشماغ الأردني حاضراً في مختلف أرجاء البطولة، وفي التفاعل الإيجابي الذي حظي به الأردنيون من جماهير ومنظمين ومنافسين.
كما كشفت البطولة عن جانب آخر لا يقل أهمية، وهو قدرة الرياضة على توحيد الجماهير حول هدف واحد، فقد اجتمع الأردنيون داخل المملكة وخارجها خلف المنتخب الوطني، وتابعوا مبارياته بشغف وفخر، في مشهد عكس حجم الانتماء الذي يجمع أبناء الوطن.
ولهذا فإن الحديث عن "11 قدوة لـ 12 مليون أردني"، كما وصفهم سمو ولي العهد، ليس مجرد تعبير عاطفي، بل توصيف دقيق لقيمة ما قدمه هؤلاء اللاعبون للشباب الأردني.
اليوم، ربما انتهت المشاركة الأولى للأردن في كأس العالم، لكنها في الحقيقة كانت بداية قصة جديدة، قصة تؤكد أن هذا الوطن الصغير بحجمه، الكبير بأبنائه وطموحهم، قادر على أن يكون حاضراً في أكبر المنصات العالمية، وما تحقق في هذه البطولة ليس نهاية الطريق، بل خطوة أولى في مسار يبدو واعداً بالمزيد من النجاحات في السنوات المقبلة .. "ومن القلب .. شكرًا لكم يا نشامى".
الرجاء الانتظار ...