رمادٌ في موسم الذهب .. من يحرق قمح الأردنيين؟
التاج الإخباري -
غادة الخولي ْقال سفير منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة السابق وخبير الأمن الغذائي والسياسات الزراعية الدكتور فاضل الزعبي، إن حرائق القمح التي تكررت هذا العام في أكثر من موقع زراعي بالمملكة تستدعي التوقف عندها بجدية، وطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل خسارة موسمية محدودة أم مؤشراً مبكراً على هشاشة أعمق في المنظومة الزراعية.
وأوضح الزعبي في حديث مع "التاج الإخباري"، اليوم الاثنين، أن تقييم آثار هذه الحرائق يتطلب التمييز بين الأمن الغذائي الوطني وبين بقاء المزارع واستمراريته، مشيراً إلى أن حرائق القمح هذا العام لا تشكل تهديداً يذكر لتوافر الخبز على موائد الأردنيين، نظراً لأن إنتاج المملكة من القمح يتراوح سنوياً بين 20 و60 ألف طن تبعاً للهطول المطري، في حين يستهلك الأردن نحو مليون طن سنوياً.
وأضاف أن الإنتاج المحلي لا يغطي في أفضل المواسم سوى نسبة محدودة من الاحتياج الوطني، بينما يتم تأمين الجزء الأكبر من خلال الاستيراد والمخزون الاستراتيجي، لافتاً إلى أن البيانات الحكومية تشير إلى أن احتياطي القمح يكفي استهلاك المملكة لما يقارب عشرة أشهر، مع تنويع مصادر الاستيراد والتوسع المستمر في الطاقة التخزينية.
وأكد أن احتراق مئات أو حتى آلاف الدونمات لا يحدث أثراً ملموساً على ميزان العرض الوطني، لأن الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في القمح تتمثل في القدرة على الاستيراد والتخزين وإدارة سلاسل الإمداد، وليس في حجم الإنتاج المحلي وحده.
وفي المقابل، شدد الزعبي على أن الخسارة بالنسبة للمزارع تختلف تماماً، إذ إن المزارع الذي يحترق حقله لا يخسر نسبة من إنتاج وطني، بل يفقد دخل عام كامل دفعة واحدة، إلى جانب تراجع ثقته بجدوى الاستمرار في الزراعة، معتبراً أن الخطر الحقيقي يتمثل في هجر الأراضي الزراعية وخروجها من دورة الإنتاج، وما يرافق ذلك من تراجع في النشاط الزراعي وإضعاف للنسيج الريفي وزيادة الاعتماد على الخارج.
وفيما يتعلق بأسباب الحرائق، أوضح الزعبي أن الانضباط المهني يقتضي عدم الجزم بسبب محدد قبل انتهاء التحقيقات الرسمية، إلا أن قراءة الظروف المحيطة تسمح بترتيب الاحتمالات، مشيراً إلى أن العامل المناخي يأتي في مقدمة الأسباب المحتملة، من خلال موجات الحر المبكرة وارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء العشبي المحيط بالحقول، ما يجعل المحاصيل ومخلفاتها أكثر عرضة للاشتعال.
وأشار إلى أن الموسم الحالي شهد أيضاً حرائق واسعة في حقول الحبوب بدول مجاورة نتيجة درجات حرارة قياسية، ما يؤكد أن العامل المناخي أصبح قاسماً مشتركاً على مستوى المنطقة.
وأضاف أن العامل البشري غير المتعمد يعد من أكثر الأسباب انتشاراً، سواء من خلال الشرر الناتج عن آليات الحصاد، أو حرق المخلفات الزراعية بطرق غير آمنة، أو الإهمال أثناء التنزه والتدخين قرب الحقول الجافة، إضافة إلى الأعطال الكهربائية وخطوط النقل المارة فوق الأراضي الزراعية.
وأكد أن احتمال الفعل المتعمد يبقى قائماً، لكنه لا ينبغي أن يكون التفسير الأول في غياب الأدلة، مشيراً إلى أن التسرع في تبني هذا التفسير قد يصرف الانتباه عن معالجة الأسباب البنيوية الأكثر شيوعاً.
وبيّن الزعبي أن المشكلة الأساسية تكمن في التعامل مع الحرائق باعتبارها حالات طارئة يتم الاستجابة لها بعد وقوعها، وليس باعتبارها خطراً ينبغي إدارته مسبقاً، داعياً إلى تبني منظومة وطنية متكاملة لإدارة مخاطر الحرائق الزراعية.
وأوضح أن هذه المنظومة يجب أن تقوم على الرصد المبكر باستخدام خرائط الخطورة المبنية على بيانات الطقس وتقنيات الاستشعار عن بعد، والاستفادة من الطائرات المسيّرة المزودة بكاميرات حرارية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تحويل البيانات إلى إنذارات مبكرة قابلة للتنفيذ.
وأشار إلى أن الأردن اتخذ خطوات في هذا الاتجاه من خلال اتفاقيات لمراقبة الغطاء النباتي بالأقمار الصناعية، داعياً إلى توسيع نطاق هذه الأدوات لتشمل الحقول الزراعية المنتجة وربطها بغرف عمليات قادرة على التحرك خلال دقائق.
كما دعا إلى تعزيز الإجراءات الوقائية عبر إنشاء خطوط عازلة وممرات حماية محروثة حول الحقول في المناطق عالية الخطورة، وتأمين نقاط مياه ومعدات إطفاء أولية قريبة، إلى جانب رفع جاهزية فرق الاستجابة السريعة وتدريب فرق إطفاء من أبناء المجتمعات المحلية القريبة من الحقول.
وأكد أهمية دور الإرشاد الزراعي في توعية المزارعين بطرق التعامل مع المخلفات الزراعية وصيانة الآليات الزراعية، إضافة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتحويل المزارعين والمتنزهين إلى شركاء في الرصد والإبلاغ المبكر.
وشدد الزعبي على ضرورة توفير نظام تأمين وتعويض زراعي كفؤ وسريع يشكل شبكة أمان للمزارعين ويحميهم من الخسائر الكارثية التي قد تدفعهم إلى هجر أراضيهم، لافتاً إلى أن تجارب العديد من دول حوض المتوسط أثبتت أهمية الجمع بين التأمين الزراعي والرصد التقني ضمن منظومة متكاملة لإدارة المخاطر.
ونوّه الزعبي بالتأكيد على أن حماية حقول القمح ليست قضية زراعية ضيقة، بل مسألة تتعلق بالأمن الغذائي والاقتصادي والوطني، مشيراً إلى أن الأمن الغذائي الحقيقي لا يقاس فقط بحجم المخزون الاستراتيجي، وإنما بقدرة الدولة على استباق المخاطر وإدارتها، محذراً من أن تكرار الحرائق دون وجود منظومة متكاملة للوقاية والاستجابة يمثل مؤشراً لا ينبغي تجاهله رغم اطمئنان وضع المخزون الغذائي في الوقت الحالي.
الرجاء الانتظار ...