شديفات يكتب : الشراكة الأردنية – الأوروبية: تحالف استراتيجي في زمن التحولات الإقليمية
التاج الإخباري -
بقلم الدكتور : عدنان متروك شديفاتفي ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بتصاعد الأزمات وتشابك المصالح، تبرز العلاقات الأردنية – الأوروبية بوصفها نموذجاً متقدماً للشراكات التي تجاوزت منطق الدعم التقليدي إلى تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد. فهذه العلاقة لم تعد محكومة باعتبارات ظرفية، بل باتت تستند إلى رؤية طويلة الأمد تقوم على تلاقي المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، وعلى إدراك أوروبي متزايد لأهمية الأردن كركيزة استقرار في منطقة مضطربة.
لقد شكّل إعلان الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي في كانون الثاني 2025 محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، حيث استند إلى حزمة مالية واستثمارية بقيمة3 مليارات يورو للفترة 2025–2027، هذه الحزمة بما تتضمنه من منح واستثمارات ودعم للاقتصاد الكلي، تعكس انتقال الاتحاد الأوروبي من دور المانح إلى موقع الشريك، وتؤكد أن الأردن بات جزءاً من الحسابات الأوروبية المرتبطة بالأمن الإقليمي واستقرار جنوب المتوسط.
سياسياً وأمنياً ، ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الأردن بوصفه دولة ذات مؤسسات راسخة وقدرة عالية على إدارة الأزمات، في محيط جغرافي يشهد توترات ممتدة من سورية والعراق إلى غزة، وقد أثبتت المملكة، خلال العقد الماضي، قدرتها على التعامل مع ملف اللجوء، وضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ما جعلها شريكاً موثوقاً في استراتيجية أوروبا الهادفة إلى تعزيز الأمن الوقائي ومنع انتقال الأزمات إلى داخل القارة.
اما اقتصادياً تأتي هذه الشراكة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للأردن، الذي يواجه ضغوطاً مالية وتحديات تنموية متراكمة، وفي هذا السياق، تشكّل المساعدات المالية الكلية الأوروبية وخطة العمل متعددة السنوات (2025–2027) بقيمة 228 مليون يورو أداة دعم مهمة للاستقرار المالي والنقدي، ورافعة لتنفيذ الإصلاحات الهيكلية المرتبطة بالتحديث الاقتصادي والإداري، ولا يقتصر أثر هذا التمويل على تغطية فجوات قصيرة الأمد، بل يفتح المجال أمام تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الحوكمة، وخلق فرص عمل مستدامة، إذا ما تم توظيفه ضمن رؤية وطنية واضحة.
وتحظى قضايا المياه والطاقة بمكانة مركزية في أجندة الشراكة الأردنية – الأوروبية، إدراكاً من الجانبين بأن شح المياه في الأردن يشكل تهديداً مباشراً للأمن الاجتماعي والسياسي، ويأتي الدعم الأوروبي لمشاريع التحلية والطاقة المتجددة، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني، بوصفه استثماراً استراتيجياً في الاستقرار، وليس مجرد تمويل تنموي، كما ينسجم هذا التوجه مع الصفقة الخضراء الأوروبية والتحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون، مما يمنح الأردن فرصة للاندماج في سلاسل التمويل والاستثمار المستدامة.
ولا يمكن فصل هذا التقدم في مسار العلاقات عن الدور السياسي والدبلوماسي لجلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أسهم حضوره في المحافل الأوروبية، وخطابه القائم على الاعتدال والعقلانية، في ترسيخ صورة الأردن كدولة مسؤولة وشريك يعتمد عليه، وقد انعكس هذا الخطاب في بناء الثقة السياسية، وتحويل الدعم المعنوي إلى التزامات مالية واستثمارية ملموسة، تعزز مكانة المملكة على الساحة الدولية.
إن ما يميز المرحلة الراهنة من الشراكة الأردنية – الأوروبية هو انتقالها من منطق المساعدات الظرفية إلى الاستثمار طويل الأمد في الاستقرار والتنمية، فبينما تسعى أوروبا إلى تحصين جوارها الجنوبي وضمان أمن المتوسط ، يعمل الأردن على تنويع مصادر تمويله وتعزيز مرونته الاقتصادية في مواجهة تقلبات الإقليم وتراجع بعض أشكال الدعم التقليدي.
في المحصلة، تدخل العلاقات الأردنية – الأوروبية مرحلة جديدة تتجاوز البعد المالي إلى تحالف استراتيجي شامل يجمع بين السياسة والاقتصاد، والأمن والتنمية، والمصالح والقيم المشتركة، وهي شراكة تؤكد أن الأردن، رغم محدودية موارده، يظل لاعباً وازناً في معادلة الاستقرار الإقليمي، وشريكاً يحظى بثقة واحترام الاتحاد الأوروبي في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى شركاء موثوقين.
الرجاء الانتظار ...